إنّ فترة الشباب ليستْ محطّةً للتأجيل والانتظار، بل هي فرصةٌ ذهبيّة ومرحلةٌ ثمينة؛ حيثُ تشتدّ الفتوّة والقوّة والذّكاء، وتتوافر القدرة على الإبداع والإنجاز، لكنّ الفُرص ينبغي اغتنامها واقتناصها، كما قال محمود سامي البارودي:
بَادر الفرصةَ واحذرْ فَوْتهافبلوغُ العزِّ في نيلِ الفُرَصِ
ومن هنا، يمكنُ للشباب أن يستثمروا هذه المرحلة مبكراً، فيبدؤوا مشاريعهم ويسعوا إلى تحقيق أحلامهم بما في أيديهم مِنْ وسائل متواضعة، ثم يبنوا عليها خطوةً خطوة، بدلَ الانتظار حتى تتهيّأ الأجواء، وتكتمل الظروف، وتتوافر الإمكانيات.
والناظر في التاريخ الإسلامي يدرك أنّ الشباب حقّقوا إنجازات كبيرة حين استثمروا مواهبهم، فها هو القائد محمد بن القاسم الثقفي يقود جيش المسلمين في سنّ مبكرة، لم يتجاوز التاسعة عشرة مِنْ عمره، ويحقّق إنجازات عظيمة في بلاد السّند، ممّا يدل على أنّ الأهلية والكفاءة لا تتنافيان مع صغر السنّ.
ومن الأمثلة الواقعية الإمام الشافعي رحمه الله، حيث حفظ القرآن الكريم في سنّ السابعة، وحفظ الموطأ في العاشرة، ثم بلغ درجة الإفتاء في نحو الخامسة عشرة. كما طلب الإمام البخاري رحمه الله علم الحديث في سنّ مبكرة، وبدأ التصنيف والتأليف وهو لا يزال شاباً، ونبَغَ في علم الحديث والرواية، وأصبح مِن أعلامه الكبار وأمير المؤمنين في الحديث. وقد أحسن الدكتور المحقّق علي بن محمد العمران في كتابه «العلماء الذين لم يتجاوزوا سنّ الأشدّ» في جمع أمثلةٍ واقعيّة لعلماء برزوا في أعمارٍ مبكّرة، فجمعوا بين الذّكاء والنّبوغ، وقوّة الحِفْظ والإتقان، والاجتهادِ في التحصيل، وكثرة التأليف، وهم بين سنّ 15-40 سنة.
أما العالَم الغربي فحدّث عنه ولا حرج؛ فالمشاهد أنّ كثيراً مِنَ الشّباب يبدؤون مشاريعهم وهم على مقاعد الدراسة، فمؤسس فيسبوك، مارك زوكر بيرغ، بدأ مشروعه في عمر 19 سنة، حتّى أصبح مِنْ أكبر منصّات التواصل، ومايكل ديل، صاحب شركة «ديل» بدأ ببيع وتركيب أجهزة الكمبيوتر مِنْ غرفته الجامعية في عمر 19 سنة، ثم أسّس شركته المعروفة عالميًا.
ومن الأمثلة على إنجازات الشباب لويس برايل، مخترع نظام الكتابة والقراءة للمكفوفين؛ الذي فقَدَ بصره وهو في الثالثة من عمره، وبدأ تطوير نظامه للكتابة بالنّقاط البارزة وهو مراهق، حتى وصل في سنّ الخامسة عشرة إلى صورة فعّالة من نظامه، الذي أصبح لاحقاً وسيلةً أساسية للقراءة والكتابة للمكفوفين حول العالم.
أعود فأقول: إنّ الكثيرين مِنْ شبابنا في العالم الإسلامي اليوم ينتظرون الفرصة المناسبة للبدء في مشاريعهم العلميّة والفكرية وحتى التّجارية، ولم يدركوا أنّ الوقت بمثابة رصيدٍ غير متاح دائماً، وأنّ الوقت الذي ينتظرونه قد يمضي ولا يعود؛ مثل (السندباد) الذي جعلَه الشاعر بدر شاكر السيّاب رمزاً للرّحيل والغِياب وعدَم العودة وضياعِ الأمل في قصيدته «رحلَ النهار» حيثُ يقول في تصوير هذا الانتظار:
وجلستِ تنتظرين عودة سندباد مِنَ السِّفار، والبحرُ يصرخُ مِنْ ورائك بالعَواصفِ والرّعُود، هُوَ لنْ يعود!
وجلستِ تنتظرين هائمةَ الخواطر في دُوار:
«سيعودُ! لا، غرَق السّفين مِنَ المحيطِ إلى القَرار، سيعودُ! لا، حجزتْه صارخةُ العَواصف في إِسَار، يا سندبادُ، أما تعودُ؟
ثم تتصاعد في القصيدة مشاعر الانتظار والقلق حتى يصل إلى قوله:
كادَ الشّبابُ يزول، تنطفئ الزّنابقُ في الخُدود،
فمتى تعُود؟
- شمعة أخيرة: إنّ عبارة «لننتظر الفرصة المناسبة» مِنْ أخطر الأفكار التي تؤجّل أحلام الشباب؛ فالوقتُ الذي بين أيديهم هو أثمنُ فرصةٍ، وقد تكون اللحظة المناسبة هي هذه اللحظة نفسها، فابدأ الآن، واستثمر شبابك ووقتك، واصنع فرصتك بنفسك.