تشهد منطقة غرب آسيا والقرن الأفريقي مرحلة تحوّل بنيوي قد تتجاوز، في دلالاتها وتداعياتها، نمط إدارة الأزمات الظرفية إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية ومحددات الأمن الجماعي. ويأتي هذا التحول في سياق تراجع فاعلية الأطر التقليدية التي حكمت إدارة الصراعات الإقليمية خلال العقود الماضية، وعجزها النسبي عن الاستجابة للتحديات المستجدة، سواء المرتبطة بالهشاشة السياسية أو الجغرافيات السياسية الفاشلة.
وفي هذا الإطار، تتبلور ملامح توجه نحو بناء منظومة أمن إقليمي أكثر انتظاماً ومؤسسية، تستند إلى شراكات بين قوى إقليمية ذات وزن سياسي واقتصادي وعسكري معتبر، وتحظى في الوقت نفسه بدرجات متفاوتة من الدعم والانخراط الأمريكي. ولا يقتصر هذا التوجه على إعادة توزيع الأدوار داخل الإقليم، بل ينطوي على انتقال محتمل من مقاربة أمريكية ترتكز على احتواء الأزمات وإدارتها، إلى مقاربة أوسع تستهدف إنتاج شروط أكثر استدامة للاستقرار، عبر تمكين الشركاء الإقليميين وتعزيز قدرتهم على الاضطلاع بأدوار أمنية مباشرة.
ويمثل قرار الإدارة الأمريكية بالموافقة على البرنامج النووي المدني السعودي محطة ذات دلالة استراتيجية في هذا المسار. فالبرنامج، من منظور أوسع، لا يرتبط فقط بتلبية الاحتياجات المستقبلية للمملكة في مجال الطاقة وتنويع مصادرها، بل يعكس اعترافاً متقدماً بمكانة المملكة ودورها القيادي في معادلات الإقليم. كما يفتح المجال أمام توطين المعرفة والتقنيات المتقدمة، وبناء صناعات نوعية مرتبطة بالطاقة النووية، وتعزيز أمن الطاقة الإقليمي على المدى البعيد. وفي الوقت ذاته، يرسخ مبدأ حق دول المنطقة في الاستخدام السلمي للطاقة النووية ضمن أطر رقابية وقانونية دولية، بما يحد من احتكار التكنولوجيا النووية ويعيد تعريف التوازن بين متطلبات التنمية واعتبارات الأمن.
وفي موازاة ذلك، يكتسب التحالف السعودي التركي الباكستاني أهمية متزايدة باعتباره أحد المؤشرات على صعود أنماط جديدة من الشراكة الاستراتيجية بين القوى الإقليمية المؤثرة. فهذا التحالف المتبلور لا يقوم على التقارب السياسي وحده، بل يستند إلى عناصر تكامل متعددة، ومنها الثقل الاقتصادي والسياسي، والقدرات العسكرية والصناعية، والخبرة الدفاعية وما تمثله من بُعد ردع نووي مستقل. ومن ثم، فإن أهمية هذا الترتيب لا تكمن في مجموع قدرات أطرافه فحسب بل في تكاملها.
وإذا ما تطور هذا التحالف في إطار من التنسيق المنهجي، فإنه قد يشكل رافعة للأمن الإقليمي المشترك، وتعزيز القدرات الجماعية على مواجهة التهديدات العابرة للحدود، وتطوير منظومات الاستجابة للأزمات. كما يمكن أن يسهم في تعزيز استقلالية القرار الإقليمي، لا بوصفه بديلاً عن الشراكات الدولية، وإنما بوصفه إطاراً يتيح للقوى الإقليمية إدارة مصالحها وأولوياتها بقدر أكبر من الفاعلية والتوازن. وتكتسب مباركة الولايات المتحدة لهذا المسار أهمية سياسية إضافية، لما قد توفره من غطاء دولي للترتيبات الأمنية الناشئة، ولما تعكسه من تقارب محتمل بين واشنطن والقوى الإقليمية الرئيسة. فالدعم الأمريكي لا يضفي على هذه الترتيبات بعداً سياسياً فحسب، بل قد يسهم في توفير بيئة أكثر ملاءمة لتطوير آليات التنسيق بما يسمح ببناء مظلة أوسع لإدارة الملفات الأمنية المعقدة في الإقليم. وتبرز الساحة السورية بوصفها الاختبار العملي الأول لمدى قدرة هذا التوجه على الانتقال من مستوى التصورات إلى مستوى التطبيق. فسوريا مثلت نموذجاً مركباً لتداخل الصراعات الداخلية بالتنافسات الإقليمية والدولية، الأمر الذي يجعل استقرارها مرتبطاً بقدرة الأطراف الفاعلة على الانتقال من إدارة الصراع إلى تطوير تسوية سياسية واقعية وداعمة لإعادة الاستقرار الإقليمي. وتطلب ذلك الحفاظ على وحدة الدولة وإعادة بناء مؤسساتها، ومنع عودة التنظيمات الإرهابية، وضبط نشاط الميليشيات والجماعات المسلحة، وتأمين عودة اللاجئين، وإطلاق مسار لإعادة الإعمار يرتبط بتسوية سياسية قابلة للاستدامة.
ونجاح النموذج وفر قاعدة عملية لتوسيع التفاهمات الأمنية لتشمل غرب آسيا وساحات التوتر المتصل بها. ويأتي العراق بوصفه المحطة التالية في هذا المسار، نظراً إلى موقعه الجيوسياسي المركزي، وتشابك تحدياته الداخلية مع التنافس الإقليمي. فتعزيز الاستقرار العراقي يتطلب دعماً إقليمياً وأمريكياً متوازناً يكرّس سيادة الدولة، ويدعم مؤسساتها الوطنية، ويحد من تأثير الفواعل المسلحة الخارجة عن سلطتها، بما يسمح باستعادة العراق لدوره الطبيعي بوصفه دولة محورية في التوازنات الإقليمية.
أما اليمن، فيمثل استحقاقاً موازياً لا يقل أهمية، في ضوء ارتباط أزمته بأمن عموم دول شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر، بل وحتى القرن الأفريقي. ومن ثم، فإن أي مقاربة للاستقرار فيه ينبغي أن تتجاوز إدارة التهدئة عسكرياً إلى معالجة البنية السياسية والإنسانية للصراع، وتهيئة شروط تسوية تضمن وحدة الدولة واستدامة مؤسساتها. وينطبق الأمر ذاته على السودان، الذي يحتاج إلى حماية مسار يعيد بناء الدولة ومؤسساتها، ويمنع تحول أزمته إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار في شرق ووسط أفريقيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي الصومال، تقتضي المعالجة اعتماد مقاربة مركبة تجمع بين مكافحة الإرهاب، وتعزيز قدرات الحكومة الفيدرالية، وتطوير الاقتصاد البحري، وتأمين السواحل والممرات المائية. فاستقرار الصومال لا يمثل شأناً داخلياً أو إقليمياً فحسب، بل يرتبط مباشرة بأمن الملاحة الدولية، وبالتوازنات الأمنية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وعليه، فإن تتابع هذه الملفات، من سوريا والعراق إلى اليمن والسودان والصومال، يشير إلى احتمال تشكل نظام إقليمي جديد يقوم على مبدأ الشراكة بين القوى الوازنة، وتوزيع الأعباء الأمنية، وتعزيز القدرة الجماعية على حماية المصالح الاستراتيجية. ولا يعني ذلك نهاية الصراعات أو تراجع التنافس بين القوى المختلفة، لكنه يعكس انتقالاً محتملاً من بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار والصراعات المفتوحة إلى إطار أكثر ميلاً للتعاون، وإنتاج الاستقرار، وبناء توازنات قابلة للاستدامة وهندسة أمنية واقعية.