عندما تحاول اكتشاف ما يقوم عليه برنامج «قدها»، قد يبدو لك أنه يقوم على التحديات والمنافسة واختبار القدرات، لكن اختزال المشروع في هذه الجوانب فقط يظلمه كثيراً!
فما يحدث في هذا البرنامج يتجاوز فكرة المعسكر التدريبي الخاص بالناشئة في البحرين، لأنك عندما تتأمل أهدافه وأساسيات البرامج القائمة، قد تجد نفسك أمام مشروع يحمل في جوهره سؤالاً أكبر يتمركز حول: كيف نحن في مملكة البحرين نصنع جيلاً يعرف قدراته وإمكانياته ويثق بنفسه ويتحمّل المسؤولية، ويملك القدرة على مواجهة المستقبل؟ وهنا تحديداً تكمن أهمية هذا المشروع الذي نستقرئه من باب أن فكرته ترجع إلى ثقافتنا العربية وعاداتنا والتراث التربوي الخليجي ومواريثنا البحرينية الأصيلة فيما يخص المواريث الاجتماعية والتربوية. فبرنامج قدها يُعتبر امتداداً لأسلوب في تربية الأبناء في هذه الفئة العمرية تحديداً، حيث كان في المجتمعات البدوية يأخذون الصبيان إلى شيخ القبيلة في البادية، ويتركونهم في عهدته للاحتكاك ببيئة الحياة الصحراوية ومشقتها، فيعلمهم رعي الأغنام ومرافقة أهل الخبرة ومجالسة شيوخ القبائل والاحتكاك بهم لتعلم «المرجلة»، ويتم تدريبهم على الصبر وتحمّل المسؤولية والاعتماد على النفس والعمل ومتابعة الحلال والعناية بالإبل والغنم، مما يمنح الطفل ثقة بالنفس واعتداداً بثقافته وطلاقة في الكلام وفي البيئة الحضرية والبحرية. كذلك كانوا يتعمّدون جعل الأبناء يرافقون آباءهم في رحلات الغوص والصيد والرحلات البحرية ذات المدة الزمنية القصيرة، لتعلم أعمال القلافة، وإصلاح السفن، وكيفية التصرف عند مواجهة المخاطر غير المتوقعة في عرض البحر، ومهارات الغوص والصيد، وكل بحسب سنه وقدرته لاكتساب مهارات الملاحة البحرية والانضباط والشجاعة والإقدام ومعرفة قيمة العمل الجماعي والتعاون، فكان يُلاحَظ أن لديهم لياقة بدنية عالية جداً وصحة وقوة جسمانية بسبب ذلك.
لذا، استقراؤنا لفكرة برنامج قدها، نجد أنه صيغة حديثة لثقافة تربوية قديمة في مجتمعنا البحريني ذي الثقافتين الحضرية والبدوية، وبمبدأ قائم على أن الطفل لا يُهيَّأ للحياة بحمايته منها وتركه بلا موجّه يصقل شخصيته ميدانياً، إنما بتعليمه كيف يواجه الحياة بصعوباتها ومشقاتها وبمنحه جرعات محسوبة من المسؤولية والتحدي حتى يشتد عوده، وتصلب شخصيته، ويعرف قدراته وإمكانياته، ويكتشف كيفية الاعتماد على نفسه والتحدث والتعبير بطلاقه. وهذا لا يحدث في منطقة الراحة أو الجلوس الدائم على الإنترنت ومواقع التواصل والألعاب الإلكترونية كنمط حياة سائد عند الأجيال الناشئة الحالية، إنما في وضعهم أمام تجارب تجبرهم على اختيار أنفسهم. فكثير من المواهب والطاقات والمبدعين اكتُشفوا من خلال المحكّات والميادين والمواقف؛ لذا أرى أن «قدها» يفعل كل ذلك وأكثر، حيث نرى أنه مع النسخ القادمة قد يكون جامعة وطنية لاكتشاف الطاقات البحرينية وأصحاب القدرات البدنية المتميزة والاستثنائية، ومن منهم يمتلك سرعة البديهة واتخاذ القرار، ومن لديه روح الفريق والصفات القيادية المتميزة والقدرة على تحمّل المسؤولية، ومن يبرع في التفكير السريع وحلّ المشكلات، فهو فرصة للجميع لإيجادهم تحت المجهر. وبكلمات أخرى، برنامج قدها منخل وطني كبير يكشف ما تختزنه الأجيال الناشئة في البحرين من قدرات ومواهب إبداعية ورياضية وقيادية، وهذه هي قيمة المشروع للأمانة «إعداد» الطاقات البحرينية الاستثنائية واستخراجها من بين الصفوف، وصقلها بالمهارات اللازمة، وقد تكون الفرصة الذي يمنحها هذا البرنامج كذلك اختصار الوقت لأصحاب المواهب في معرفة نقاط قوتهم والمسار الذي يمكن أن يتألقوا فيه مستقبلاً؛ إنه بحق مشروع صناعة البحرينيين لمستقبل البحرين القادم.
مما أعجبنا كذلك في «قدها» أنه يضع المشاركين في تحدٍّ: هل أنا أستطيع؟ والأجمل أن المشارك بعد التجربة يكتشف معنى أجمل من الفوز، وهو نعم أنا أستطيع؛ أنا لدي القدرة والاستطاعة! وهذه قد تكون نقطة تحول كبيرة وحافزاً للمشارك في بناء شخصيته، وهذه فلسفة جميلة من برنامج قدها أن يمحور خلف التحديات الموجودة في البرنامج مسألة اكتشاف الذات لدى المشارك، وأهمها الثبات أمام الضغط وكيفية التصرف السريع وتغيير الخطط، وهذه مهارات لا تتعلق بمن يودّ الالتحاق بالمؤسسات العسكرية فحسب، بل يحتاجها كل شاب يريد أن ينجح في حياته.
فالجامعة تحتاج إلى شخص منضبط، وسوق العمل يحتاج إلى شخص مسؤول، وريادة الأعمال تحتاج إلى شخص يتحمّل الفشل ويعاود المحاولة، والمجتمع بأكمله يحتاج إلى مواطن لا ينتظر دائماً من يقوده، بل هو من يبادر ويخلق الفرص والاستثمار في شخصية الإنسان، هو أجمل ما يقدمه برنامج قدها بصراحة. فشكراً للقائمين عليه وعلى رأسهم سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، وسمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة على هذا المشروع التربوي الريادي، الذي صحيح أنه استُلهمت فكرته من تجربة تدريبية عسكرية في الحرس الملكي، لكنه يُحسب أيضاً أنه مُستمَد من تاريخنا البحريني الخليجي العربي التربوي والثقافي.