لطالما شعرت في أيام حياتنا بذلك الامتنان الذي نتأخر في التعبير عنه، وتلك الكلمات الجميلة التي ظلت حبيسة صدورنا لفترات طويلة، لافتراضنا أن لدينا مزيداً من الوقت حتى نوصلها إلى من يستحقها.. امتنان لم نُعبّر عنه، أو اعتذار لم ننقله، أو ثناء ربما شعرنا به ولكننا استكثرنا أن نظهره لمستحقيه، ومشاعر حب جميلة ظننا أن الطرف الآخر يفهمها ويعيها، ولكننا اكتشفنا أنها بقيت حبيسة الصدور دون أن نُعبّر عنها.
في كثير من الأحيان، أكتشف أننا نكون كرماء في المشاعر، ولكن بخلاء في التعبير عنها؛ قد نحب، ونقدّر، ونفخر بالغير، ونمتن، ولكننا في الواقع نؤجل الإفصاح عن كل ذلك، أو قد نتعمد أحياناً عدم الإفصاح لمرض في النفس، أو تكبّر أو تعالٍ، أو عقم في المشاعر، يتولد عنه غياب الفهم الصحيح للمشاعر والأحاسيس وتبادلها. نؤجل الإفصاح عن كل ذلك انتظاراً لمناسبة ما، أو خجلاً، مع أن الكلمة الطيبة اللطيفة، المؤثرة بصدق، قد تجبر خاطراً، وتصنع اطمئناناً في القلوب، وقد تعيد الثقة إلى نفوس ضلّت طريقها الصحيح، وقد تخفف تعباً عن أناس عانوا الكثير، وربما تصل إلى امرئ كرسالة ربانية كان يحتاجها في وقت ما، فتأتي في أوانها وتغيّر فيه الكثير.
أستذكر دائماً هذه المعاني في زمن «السرعة» التي أضحت عنوان حياتنا، وأضحت معه حياتنا مجرد جري وراء سراب خادع، ظننا من خلاله أننا نجيد كل شيء، ولكننا اكتشفنا فيما بعد أننا نوهم أنفسنا بأننا أجدنا محبة الناس ومودتهم، وأجدنا حسن التربية، وأجدنا الوئام والتراحم داخل أسرنا، وأجدنا تقدير الكبار وتبجيلهم واحترامهم وإعطاءهم قدرهم، وأجدنا الاستفادة من حكمة الكبار ونضج القادة المؤثرين في الحياة.. نعم.. اكتشفنا فيما بعد أنها كانت مصطلحات رنّانة، ولكننا لم نعطها حقها بصدق؛ لأنها كانت خاوية من طيّب الكلام والامتنان، وخالية من أصداء المحبة. والبعض ربما لم يُحسن إطلاقاً استخدام لسانه بما يصلح حاله ومآله، ولا يلتفت إطلاقاً إلى أن يكون محل تقدير ومحبة لدى غيره؛ همّه فقط أن يكون رسمياً في معاملاته، فيغلق أمامك أبواب المودة دون رجعة. نحن نجيد طيّب الكلام -مع الأسف الشديد- بعد فوات الأوان، وانقضاء الأوقات بلا عودة؛ فحين يرحل شخص حبيب إلى قلوبنا، نكتب عنه الأشعار، ونستحضر مواقف الحياة الجميلة معه، ونعدد محاسنه، وحين يغادر الموظف منصبه، نعدد قائمة مطوّلة من إنجازاته، وحين تنتهي علاقات أخرى إلى الأبد، نستذكر مواقف الحياة الجميلة في مساحاتها، وحين يكبر والدانا، نتحسر على أوقات مضت دون أن نعطيهما كامل حقوقهما، وندرك يقيناً أنه كان ينبغي علينا أن نقول لهما أطيب مما قلنا، وأن نمتن لهما أكثر مما فعلنا. لماذا لا نعيش مساحات المشاعر الآن قبل الغد، ونستحضر كل معاني الامتنان في علاقاتنا، ومع أحبابنا، وفي كل المشاعر التي نعيشها؟ فلا نبخل بأن نضع قلباً أو وردة على دعوة جميلة من الوالدين أو الأهل، عندما يدعوننا إلى لقاء أو زيارة أو مائدة عشاء من خلال رسائل «الواتساب»؛ فجمال وسائل التواصل أنها سهّلت علينا التعبير عن الامتنان والمشاعر.. ولا نبخل بأن نرد على هذه الدعوة بكلمات جميلة لن تأخذ من أوقاتنا الكثير: «عساه بيتاً عامراً بالخير والسعادة.. ربي يطوّل في عمركم يا أغلى والدين.. ربي يجمعنا وياكم على الخير والسعادة.. ربي يعطيكم الصحة والعافية ويرضى عنكم ويرضيكم.. يا سلام، خوش دعوة، باكون أول الحضور، وباستمتع معاكم في اليمعة.. عساها يمعة مباركة بوجودكم في حياتنا». كلمات امتنان لن تأخذ من وقتنا الكثير؛ فالبخل في إبداء المشاعر، والتعامل بصمت تجاه أصداء الحياة، يُتعب غيرك، ويجعلك علامة استفهام كبيرة!!
لا تؤجل طيّب الكلام وأجمله؛ فربما تنسى أنت الكلمة، ولكنها تعيش في قلوب غيرك بأثر دائم في حياة ممتدة. ولنستذكر قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً)، فهو توجيه قرآني لطيف نستثمر معناه في مشاعرنا وأقوالنا وأفعالنا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والكلمة الطيبة صدقة». عبارات امتنان لا تكلف شيئاً، ولكن أثرها وصداها يبقيان في قلوب الآخرين أعمارًا مديدة.
أستغرب أحياناً من بعض النفوس «البخيلة جداً» في مشاعرها؛ فهي لا تكلف نفسها أبداً، عندما تتواصل معها هاتفياً، أن تبادلك شعور الطيبة والفرح الذي بداخلك، لشحّها في المشاعر، فلا تتهلل فرحاً باتصالك، ولا تقابلك بالمودة ذاتها التي تشعر بها، وقد تكون تصورت أن الرد والتفاعل سيكونان، على الأقل، أكثر مما وجدته، ولكنك تُقابل بجفاء، وغياب للامتنان والتقدير.. حينها تقول: من الأفضل أن نكون الأحسن والأقوم والأصدق في علاقاتنا؛ لأن الرضا الداخلي منبعه حب الله تعالى، ومغزاه أن كل ما نعمله ونتكلم به إنما مردّه إلى موازين حسناتنا يوم القيامة، إن أحسنّا الصنيع، وأخلصنا النيات، وابتغينا بها وجه الله تعالى.
بالأمس القريب، انتهينا بحمد الله تعالى وتوفيقه من إتمام مشروع التلاوة الصحيحة المتقنة للقرآن الكريم كاملاً، مع ثلة من الطيبين من روّاد جامع الإيمان بحالة بوماهر؛ مشروع امتد أربع سنوات، بدأناه بالقاعدة النورانية، وركّزنا من خلاله على القراءة الصحيحة المتقنة والمجوّدة، دون استعجال الانتقال إلى قراءة الصفحات الأخرى. أصرّ روّاد هذا المشروع على إقامة لقاء احتفاء جميل، يحمل مشاعر الامتنان والتقدير، ودُعي إليه كل من شارك في هذه القراءة على امتداد السنوات الأربع..
أحسست خلال هذا اللقاء بشعور لم أشعر به في حياتي كلها؛ أن الخير يمتد أثره أبداً ما حيينا. مضت أربع سنوات.. وحانت ساعة جميلة تبادلنا فيها مشاعر الخير، وعبّر كل فرد من روّاد هذه الحلقة عن تغيير كبير طرأ في حياته بعد قراءته لكتاب الله، بعد أن كان لا يعرف القراءة.. أمّن الجميع على الدعوات.. وتبادل الجميع الامتنان.. وكان التقدير بتكريم تفاجأت به، وصورة جميلة تبقى في الذاكرة.. واحتفاء متبادل بأجمل مشروع على الإطلاق.. إنه كتاب الله الكريم.. خير الكلام.. وأجمل أثر نجتمع حوله.. وأجمل أثر نجعله في حياة الآخرين..
ومضة أمل
اللهم استعملنا في رضاك، اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.. سنكون دائماً أثراً ممتناً بإذن الله تعالى في حياة الآخرين، وكل من نحب.. بطيّب الكلام.. وصنيع أجمل الأفعال.