لا يختلف اثنان أن الطب من المهن الإنسانية الهامة، فالأطباء مهمتهم إصلاح ما عطب في جسد الإنسان، نتيجة العدوى أو الإصابات بالكسور والرضوض، أو نتيجة كبر السن وخلافة، وقد يكون العلاج بالأدوية، أو العمليات الجراحية أو تضميد الجروح، وتجبير الكسور وغيرها، وقد يتطلب هذا العلاج إقامة في المستشفى لمدد مختلفة، أوقد يتطلب مراجعة الطبيب لأخذ العلاج واستكماله في المنزل، وفي كل الأحوال يرافق الآلام التي تصيب جسد الإنسان مشاعر سلبية كالخوف والتوتر والقلق، وتلك المشاعر السلبية لا تمتلك المريض فقط، بل تمتلك جميع أفراد الأسرة. وعلاج المريض لا يقتصر على الطبيب فقط، بل يقوم على فريق متكامل من أطباء وممرضين، ومساعدين للممرضين، والمختصين في المختبرات، والأشعة، والتغذية، والمجبرين للكسور، والمعالجين بالعلاج الطبيعي فريق كبير من اختصاصات مختلفة، وغالبية أعضاء الفريق يكونون من وراء الكواليس، أما الأطباء والممرضون هم مَن يكونون في واجهة المشهد وبالتالي هم مَن يتفاعلون مع المريض وأهله خلال فترة العلاج، وعليهم أن يتفاعلوا مع المشاعر السلبية للمريض وأهله عند سماع خبر سيئ، وعند شرح الوضع الصحي للمريض، فعليهم أن يتقنوا فن التعامل مع الناس وهم مشحونون بمشاعر سلبية، وأن يجنبوهم الثورة والغضب، والتعامل مع الإنسان في مثل هذه المرحلة يتطلب حكمة ومهارة في التحدث والإقناع وصبراً ومرونة. ولعمري إن إتقان هذه المهارات لهي أصعب من إتقان مهارات التطبيب والعلاج.

وما دفعني للتأمل في هذا الموضوع عندما عشت تجربة علاج مريض عزيز علي في مستشفى الملك حمد الجامعي، وتحديداً في قسم العناية القصوى ( A)، ومعنى وجود المريض في هذا القسم أي أن حالته حرجة، وتتعذر زيارته أو التواصل معه إلا فترات قصيرة، ولكم أن تتصوروا ما يعصف بنا من خوف وتوتر وقلق طوال اليوم، وما يثلج الصدر أن ضمن إجراءات المستشفى وضع رقمين للتواصل بفريق العمل بالقسم، ويمكن لأهل المريض على مدار الساعة الاطمئنان على المريض، والحقيقة أن جودة أداء المستشفيات لا تقاس بتوفر الأجهزة الحديثة أو التقنيات المتقدمة وحدها، وإنما تقاس أيضاً بقدرة الإنسان على أن يكون حاضراً في اللحظة التي يحتاجه فيها الآخرون. وفي أقسام العناية القصوى تحديداً، حيث تتداخل مشاعر القلق والخوف مع الانتظار، تصبح الكلمة الطيبة جزءاً من العلاج، ويصبح التواصل مع أهل المريض مسؤولية إنسانية لا تقل أهمية عن أي إجراء طبي، وهنا يلفت الانتباه مستوى الكفاءة والاهتمام الذي يبديه فريق التمريض في العناية القصوى بمستشفى الملك حمد الجامعي، والأجمل أن الفريق لا يتعامل مع أسئلة الأهالي باعتبارها مصدر إزعاج، رغم كثرتها وتكرارها في بعض الأحيان. بل يستمع، ويجيب بما تسمح به طبيعة عمله، ويحاول تقديم المعلومة التي يستطيع تقديمها، ويطمئن المتصل إلى أن المريض يحظى بالرعاية والمتابعة.

وفي المقابل، تظهر المهنية الحقيقية عندما تكون هناك أسئلة لا يستطيع فريق التمريض الإجابة عنها عبر الهاتف. فبدلاً من الرد الجاف أو الاكتفاء بعبارة مقتضبة، يأتي الاعتذار بأسلوب لبق ومحترم، مع توضيح أن بعض المعلومات الطبية لا يمكن تقديمها أو تفسيرها عبر الهاتف، وأن هناك أموراً تحتاج إلى موافقة الطبيب المختص، أو إلى التواصل المباشر مع ذوي المريض وفق الإجراءات المتبعة. فاللباقة لا تعني الإجابة عن كل سؤال، وإنما تعني معرفة كيف نعتذر عن الإجابة، دون أن يشعر الطرف الآخر بالتجاهل، وهذه مهارة مهنية وإنسانية تستحق التقدير، خصوصاً في الأقسام التي تتطلب درجة عالية من الانضباط والدقة والسرية.

إن فريق التمريض في العناية القصوى بمستشفى الملك حمد الجامعي لا يؤدي وظيفة تقنية تتمثل في متابعة المرضى وتنفيذ التعليمات الطبية فحسب، بل يؤدي كذلك دوراً إنسانياً مهماً في التعامل مع الأسر التي تعيش ساعات صعبة من القلق والانتظار. ولذلك فإن الابتسامة، ونبرة الصوت الهادئة، وسرعة الرد، وحسن الاستماع، والقدرة على طمأنة المتصل، كلها ممارسات تصنع فارقاً حقيقياً في تجربة المريض وأسرته.

وقد لا يتذكر الإنسان بعد سنوات اسم الممرض أو الموظف الذي رد على اتصاله، لكنه بالتأكيد قد يتذكر كيف جعله يشعر بالطمأنينة في لحظة خوف، قد يتذكر أن هاتفه أُجيب عليه سريعاً، وأن صوته لم يقابل بالتجاهل، وأن الشخص الذي تحدث معه أدرك حجم قلقه، وتعامل معه باحترام وهدوء.

ومن هنا، فإن الإشادة بفريق التمريض في العناية القصوى بمستشفى الملك حمد الجامعي ليست إشادة بسرعة الرد وحدها، وإنما تقدير لثقافة مهنية تقوم على المسؤولية والإنسانية وحسن التواصل. فالمستشفى الناجح هو الذي ينجح في الجمع بين كفاءة الرعاية الطبية وجودة التعامل الإنساني، والفريق المتميز هو الذي يدرك أن مهمته لا تنتهي عند سرير المريض، بل تمتد إلى أسرته التي تحتاج هي الأخرى إلى مَن يسمعها ويطمئنها ويحترم قلقها.

إنها صورة جميلة من صور المهنية التي تستحق أن تُذكر وتُشكر لجميع أفراد الفريق الطبي بقسم العناية القصوى بالمستشفى؛ لأن وراء كل اتصال هاتفي شخصاً ينتظر خبراً، ووراء كل رد سريع قلباً يبحث عن الطمأنينة، ووراء كل كلمة لبقة إنساناً يعرف أن مهمته ليست فقط أن يرعى المريض، بل أن يحافظ كذلك على مشاعر أهله في أصعب لحظاتهم.. ودمتم سالمين.