يمثل شهر سبتمبر في البحرين شهراً انتقالياً مثيراً للاهتمام من الناحيتين الجوية والفلكية؛ فالصيف لم يغادرنا بعد، والحرارة والرطوبة مازالتا حاضرتين بقوة، إلا أن حركة الشمس نحو الجنوب تبدأ بإحداث تغيرات واضحة منها يقصر النهار، وتنخفض الشمس وقت الظهر، وتتراجع شدة الإشعاع الشمسي اليومي تدريجياً، إلى أن نصل في أواخر الشهر إلى الاعتدال الخريفي (23 سبتمبر في هذا العام).

سبتمبر.. الحرارة أقل ولكن الرطوبة عالية

قد يتوقع البعض أن حلول سبتمبر يعني نهاية الحر الشديد، إلا أن مناخ البحرين أكثر تعقيداً. فالخليج العربي يكون قد اختزن خلال أشهر الصيف كمية هائلة من الطاقة الحرارية، وتظل مياه البحر دافئة جداً، مما يزيد التبخر ويمد الهواء القريب من السواحل بكميات كبيرة من بخار الماء، ولهذا قد تنخفض درجة حرارة الهواء عدة درجات مقارنة بذروة الصيف، بينما يبقى الإحساس بالحرارة مرتفعاً بسبب الرطوبة. والسبب فيزيائياً في ذلك هو أن جسم الإنسان يعتمد بصورة كبيرة على تبخر العرق للتخلص من الحرارة، وعندما يكون الهواء رطباً تقل قدرة العرق على التبخر، فيضعف التبريد الطبيعي للجسم، ولذلك قد يبدو يوم رطب بدرجة حرارة أقل هو أشد إزعاجاً من يوم أكثر حرارة ولكنه جاف. وتبين سجلات الأرصاد البحرينية أن سبتمبر قادر أيضاً على تسجيل درجات حرارة مرتفعة جداً؛ فالرقم القياسي المسجل لشهر سبتمبر في مطار البحرين الدولي بلغ 45.5 درجة مئوية في 4 سبتمبر 2013. وفي سبتمبر 2025 مثلاً تجاوزت الحرارة العظمى 40 درجة مئوية في خمسة أيام، وبلغت 43.1 درجة مئوية في المطار يوم 9 سبتمبر. أما الأمطار فهي شحيحة بمثل شهر أغسطس.

الرياح.. بين الجنوبية الرطبة البحرية والشمالية "الشمال"

تبدأ الرياح الشمالية الغربية المعروفة محلياً بـ«الشمال أو البارح» بفقد بعض انتظامها وقوتها مقارنة بأوائل الصيف، بينما تسمح فترات هدوء الرياح أو تحولها إلى الاتجاهات البحرية الشرقية والجنوبية الشرقية بزيادة الرطوبة، خصوصاً ليلاً وفي ساعات الصباح الأولى. وتشير البيانات المناخية إلى أن متوسط سرعة الرياح في البحرين خلال سبتمبر يدور حول 14 كم/ساعة تقريباً، مع بقاء الاتجاه الشمالي مهيمنًا في نسبة معتبرة من ساعات الشهر، وهنا تظهر مفارقة سبتمبر البحرينية، وهي "درجة الحرارة تبدأ بالانخفاض، لكن الرطوبة قد ترتفع، ولذلك لا ينخفض الشعور بالحرارة بالسرعة نفسها".

الشمس تهبط سريعاً نحو الجنوب

فلكياً، يعتبر سبتمبر من أسرع أشهر السنة تغيّراً في موقع الشمس الظاهري؛ فبعد أن وصلت الشمس إلى أقصى ميل شمالي لها عند الانقلاب الصيفي في يونيو، تبدأ رحلتها الظاهرية جنوباً. وفي بداية سبتمبر تشرق الشمس في البحرين في اتجاه 80 درجة (شمال الشرق قليلاً)، وتغرب في اتجاه 279 درجة (شمال الغرب)، لكن نقطة الشروق تتحرك يوماً بعد يوم نحو الشرق، ونقطة الغروب نحو الغرب، لتكون في اتجاه 90 درجة (الشرق الجغرافي) عند الشروق و270 درجة (الغرب الجغرافي) عند الغروب في 23 سبتمبر (الاعتدال الخريفي).

وفي يوم 1 سبتمبر تشرق الشمس قرابة 5:17 صباحاً وتغرب نحو5:57 مساءً، أي أن طول النهار يقارب 12 ساعة و40 دقيقة، وارتفاع الشمس وقت الظهر نحو 72 درجة جنوباً. أما في يوم الاعتدال الخريفي (23 سبتمبر هذا العام) تشرق الشمس قرابة 5:26 صباحاً وتغرب 5:33 مساءً، أي أن طول النهار يقارب 12 ساعة و6 دقائق، وارتفاع الشمس وقت الظهر نحو 63.6 درجة جنوباً. أما في آخر يوم من شهر سبتمبر، تشرق الشمس قرابة 5:29 صباحاً وتغرب 5:25 مساءً، أي أن طول النهار يقارب 11 ساعة و55 دقيقة، وارتفاع الشمس وقت الظهر نحو 60.9 درجة جنوباً. ومع تقدم الشهر يستمر النهار في التناقص، بمعدل يقارب دقيقة ونصفاً يومياً في بدايته، وهذا يعني أننا نفقد خلال سبتمبر عشرات الدقائق من ساعات النهار، وتتساوى ساعات الليل مع ساعات النهار في البحرين في 28 سبتمبر من كل عام حيث تشرق الشمس في الساعة 5:47 ص وتغرب في الساعة 5:47 مساءً.

23 سبتمبر.. الشمس فوق خط الاستواء

الحدث الفلكي الأهم خلال الشهر هو الاعتدال الخريفي، ويحدث في البحرين هذا العام في فجر الأربعاء 23 سبتمبر، في الساعة 3:05 صباحاً بتوقيت البحرين، وفي هذه اللحظة تعبر الشمس خط الاستواء السماوي متجهة نحو الجنوب، وتكون أشعتها العمودية واقعة تقريباً على خط الاستواء الأرضي، وهو موعد إيذان دخول الخريف فلكياً في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، بينما يبدأ الربيع في نصفها الجنوبي. ومن الشائع القول إن الليل والنهار يتساويان تماماً في يوم الاعتدال، لكن ذلك ليس دقيقاً تماماً من الناحية الرصدية؛ فبسبب الانكسار الجوي للضوء، وتعريف الشروق والغروب باستخدام حافة قرص الشمس، يكون النهار أطول قليلاً من 12 ساعة في يوم الاعتدال؛ فتساوي الليل والنهار في البحرين يكون في 28 سبتمبر من كل عام. ومنذ ذلك التاريخ تصبح الشمس جنوب خط الاستواء، ويستمر ميلها جنوباً حتى تصل إلى نحو 23.4 درجة جنوباً عند الانقلاب الشتوي في 21 ديسمبر من كل عام.

أقصر طول للظل في البحرين في سبتمبر "عند الزوال"

في بداية شهر سبتمبر، يبلغ ارتفاع الشمس نحو 72 درجة، ويكون طول ظل عصا (شاخوص) طولها 1 متر هو 32 سم أي طول الظل يساوي 32% من طول الجسم لحظة آذان الظهر، ومع انخفاض ارتفاع الشمس خلال الشهر يزداد طول الظل تدريجياً. وفي 23 سبتمبر يكون ارتفاع الشمس 64 درجة وطول الظل 48.7 سم، وفي 30 سبتمبر يكون ارتفاع الشمس 61.3 درجة وطول الظل 54.7 سم.

القمر الجديد في 11 سبتمبر

يولد هلال شهر ربيع الآخر (الثاني) في يوم الجمعة 11 سبتمبر (الموافق 29 ربيع الأول 1448 هـ) في الساعة 5:27 صباحاً، ويمكث الهلال في الأفق مدة 6 دقائق فقط، ويكون بحسب التقويم الإسلامي الموحد الذي تتبع منهجيته مملكة البحرين، الأول من ربيع الثاني هو يوم السبت 12 سبتمبر. ويقدّم القمر أيضاً مشهداً فلكياً منتظماً خلال الشهر حيث يكون التربيع الأخير من شهر ربيع الأول في 4 سبتمبر عند 10:51 صباحًا، ويحدث الاقتران أو المحاق (بداية الولادة) في 11 سبتمبر عند 6:27 صباحاً، ثم التربيع الأول لشهر ربيع الثاني في 18 سبتمبر عند 11:43 مساءً، ويكتمل البدر في 26 سبتمبر عند 7:49 مساءً بتوقيت البحرين. وتصبح الليالي المحيطة بالمحاق مناسبة بصورة خاصة لمشاهدة النجوم والأجرام الخافتة، بعيدًا عن التلوث الضوئي، لأن ضوء القمر يكون ضعيفاً.

الزهرة يتألق في سماء سبتمبر

ومن أجمل مشاهد سبتمبر 2026 في البحرين كوكب الزهرة، الذي يصل في 18 سبتمبر إلى ذروة لمعانه في ظهوره المسائي الحالي، ويمكن البحث عنه بعد غروب الشمس منخفضاً فوق الأفق الغربي، حيث يبدو كنقطة شديدة السطوع تتفوق في لمعانها على النجوم المحيطة، وكوكب الزهرة لا يبقى مرتفعاً مدة طويلة بعد الغروب، ويبلغ القدر الظاهري للزهرة عند أقصى لمعانه نحو −4.7 إلى −4.8 تقريباً؛ لذلك يكون ألمع بكثير من زحل وألمع من أي نجم في السماء.

كوكب زحل في سماء سبتمبر

يظهر كوكب زحل في سبتمبر 2026 كجرم مسائي واضح يُرى بالعين المجردة كنقطة لامعة ثابتة نسبيًا، ومع تقدم الشهر يشرق أبكر، ولذلك تتحسن فرصة رصده في المساء. وأفضل فترة لرصد زحل من البحرين فهي تقريبًا من منتصف سبتمبر إلى نهاية الشهر، وخصوصاً الساعة 8:00 مساءً حتى ما بعد منتصف الليل، ويكون القدر الظاهري لزحل في تلك الفترة قريباً من +0.6 إلى +0.7 تقريباً. ومن أجمل الليالي 26 سبتمبر، إذ يظهر قريباً ظاهرياً من قمر الحصاد أو قمر الكوس، ومعهما نبتون في المنطقة نفسها من السماء. أما أفضل فترة لرصد زحل من البحرين فهي تقريباً من منتصف سبتمبر إلى نهاية الشهر، وخصوصاً من نحو 8:00 مساءً حتى ما بعد منتصف الليل؛ فكلما ارتفع عن الأفق قلت تأثيرات الغلاف الجوي وتحسنت الصورة في التلسكوب. ولرؤية حلقاته، يكفي تلسكوب فلكي صغير جيد في ظروف رصد مناسبة، بينما العين المجردة تراه كنقطة مضيئة فقط.

القمر في برج العقرب

يدخل القمر في برج العقرب في يوم 14 سبتمبر 2026 نحو الساعة 9:43 صباحاً بتوقيت البحرين، ويبقى فيه حتى 16 سبتمبر نحو الساعة 7:41 مساءً، ثم ينتقل إلى القوس، وسنتعرف حينها على نجم قلب العقرب وبعض معالم كوكبة القوس.

قمر "الكوس" أو قمر "الحصاد"

في مساء 26 سبتمبر عند الساعة 7:49 مساءً بتوقيت البحرين، ويكون شروق القمر في الساعة 5:13 مساءً، أي قبل غروب الشمس بقليل (5:43 مساءً)، ويكون موعد عبور خط الزوال وبلوغه ارتفاعاً كبيراً نحو 11:31 مساءً، بارتفاع يقارب 68.5 درجة فوق الأفق. ويسمى القمر عند الغرب تاريخياً بـ"قمر الحصاد" لأن ضوء القمر الساطع بعد غروب الشمس كان يمنح المزارعين في المناطق المعتدلة وقتاً إضافياً لجمع المحاصيل في موسم الحصاد حيث تكون السماء مضاءة نهاراً وليلاً، وفي البحرين أفضل شخصياً أن أسميه بـ"قمر الكوس" لأن خلال هذه الفترة تكون رياح الكوس هي السائدة أو ربما يسمى بـ"قمر الصافي" لوفرة هذا السمك المميز في بحار البحرين مع وفرة سمك الكنعد، الصافي، الشعري، الهامور، السكن، الفسكر، الشعم، العندق والربيب.

وهكذا، لا ينبغي النظر إلى سبتمبر في البحرين على أنه مجرد امتداد للصيف؛ إنه شهر تحدث فيه تحولات فيزيائية وفلكية متزامنة تنخفض الشمس، ويقصر النهار، ويطول الظلال، ويتراجع الإشعاع الشمسي تدريجيًا، وتتغير دورة التسخين والتبريد بين اليابسة والبحر، بينما تظل مياه الخليج الدافئة مصدرًا للرطوبة العالية. وهذا الاختلاف بين الخريف الفلكي والخريف المناخي هو أحد أسرار سبتمبر في البحرين؛ فحركة الأرض تقول إن الصيف انتهى، ولكن حرارة البحر تقول لنا لم ينتهِ الحر بعد!

* أستاذ الفيزياء التطبيقية