في ذاكرة البحرين رجالٌ لا تنتهي حكاياتهم بانتهاء عهودهم، بل تتحول سيرتهم إلى جزء من وجدان الوطن، وتبقى أسماؤهم حاضرة كلما استعاد الناس صفحات التاريخ وما حملته من مواقف وإنجازات وتحولات. وهنا يبرز اسم صاحب العظمة الشيخ عيسى الكبير حاكم البحرين وتوابعها طيب الله ثراه "صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة طيب الله ثراه"، الذي ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، حتى أصبح حاضراً في الذاكرة الوطنية بلقب «عيسى الكبير».
حكم الشيخ عيسى الكبير البحرين وتوابعها منذ عام 1869م حتى عام 1932م، فعاصر أكثر من ستة عقود من التحولات العميقة التي شهدتها البحرين ومنطقة الخليج. ولم يكن طول عهده وحده سبباً في رسوخ مكانته، وإنما ما شهدته البلاد خلال تلك السنوات من تطورات متدرجة في الإدارة والقضاء والتعليم والصحة والخدمات المدنية، إلى جانب نمو التجارة والموانئ والأسواق، وهي تحولات أسهمت في تهيئة الأرضية للانتقال التدريجي نحو الدولة الحديثة.
ولم يكن لقب «عيسى الكبير» مجرد وصف لطول فترة حكمه، بل أصبح عنواناً لمكانة رجل ارتبط اسمه بالحكمة والاستقرار وبُعد النظر والقرب من الناس، واقترن كذلك بلقب «حكيم البحرين». ففي زمن كانت فيه المنطقة تشهد تحولات سياسية واقتصادية متسارعة، كان الحفاظ على استقرار البلاد ومصالحها يتطلب حكمة في التعامل مع المتغيرات، وقدرة على الموازنة بين مقتضيات المرحلة واحتياجات المجتمع.
وفي عهده بدأت الأطر الإدارية والقضائية والتجارية والمالية والاجتماعية تتخذ صورة أكثر تنظيماً، وتطور العمل في مجالات القضاء والشرطة والجمارك والموانئ، بما عكس بدايات تشكل منظومة مؤسسية استجابت تدريجياً لمتطلبات المجتمع، وأسهمت في تنظيم جوانب متعددة من الحياة العامة.
وكان تأسيس بلدية المنامة عام 1919م محطة بارزة في هذا المسار، إذ مثّل خطوة مهمة في تنظيم العمل البلدي والخدمات العامة، وأسهم في تطور الإدارة المدنية وتنظيم شؤون الحياة اليومية. وجاء تأسيسها في عهد عيسى الكبير ليعكس تنامي الحاجة إلى مؤسسات أكثر تنظيماً لمواكبة التطور العمراني والسكاني والاقتصادي الذي كانت تشهده البلاد.
وفي مجال التعليم، شهد عهده تحولاً مهماً مع تأسيس مدرسة الهداية الخليفية في المحرق عام 1919م، بوصفها أول مدرسة حديثة لتعليم البنين في البحرين، لتشكل محطة أساسية في مسيرة التعليم النظامي الحديث. ثم شهد عام 1928م تأسيس مدرسة خديجة الكبرى، كأول مدرسة للتعليم النظامي الحكومي للبنات في البحرين، في خطوة عكست اتساع الاهتمام بتعليم المرأة، وفتحت أمامها آفاقاً جديدة للمشاركة في الحياة العلمية والاجتماعية والعامة.
وامتد التطور إلى المجال الصحي؛ فقد بدأت الإرسالية الأمريكية نشاطها الطبي في البحرين عام 1892م، ثم تطورت خدماتها الطبية وصولاً إلى إنشاء مستشفى ميسون التذكاري، الذي شُيّد في المنامة عام 1902م وافتتح رسمياً في يناير 1903م. وأصبح المستشفى لاحقاً معروفاً باسم مستشفى الإرسالية الأمريكية، وأسهم في إدخال أنماط حديثة من الرعاية الطبية إلى البلاد.
أما اقتصادياً، فكانت البحرين مركزاً تجارياً وبحرياً مهماً في الخليج، وبرزت المنامة والمحرق في حركة التجارة والغوص والأسواق والموانئ. وكان اللؤلؤ والغوص والتجارة في قلب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وربطت هذه الأنشطة البحرين بمحيطها الخليجي والإقليمي وبالأسواق الخارجية، وأسهمت في تشكيل مجتمع تجاري منفتح ومتصل بمختلف مراكز النشاط الاقتصادي في المنطقة.
كما اتسم المجتمع البحريني بالتنوع والانفتاح، وأسهم الاستقرار في إتاحة المجال أمام مختلف فئاته للمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، واستقبال التجار والخبرات والمؤسسات التعليمية والصحية. وكان هذا الانفتاح جزءاً من طبيعة البحرين التاريخية، التي عُرفت دائماً بالتواصل مع محيطها والتفاعل مع الثقافات والخبرات المختلفة، مع المحافظة على هويتها وأصالتها. وهي قيمة مازالت حاضرة في شخصية البحرين، وتؤكد أن التنوع والتعايش يمكن أن يكونا مصدر قوة حين يقومان على الاحترام المتبادل والمصلحة الوطنية.
وظل اللؤلؤ والغوص والتجارة حاضراً بقوة خلال معظم عهد عيسى الكبير، في الوقت الذي بدأت فيه البحرين تدخل تدريجياً مرحلة اقتصادية جديدة مع أعمال التنقيب عن النفط في عشرينيات القرن العشرين. وفي الثاني من يونيو عام 1932م، تم اكتشاف النفط في البئر رقم واحد في جبل الدخان، لتدخل البحرين مرحلة اقتصادية جديدة كان لها أثر عميق في مسيرتها اللاحقة، ولتصبح أول دولة في منطقة الخليج يُكتشف فيها النفط.
وهكذا انتهى عهد عيسى الكبير والبحرين تقف على أعتاب تحول تاريخي كبير؛ مؤسسات تتطور، وتعليم نظامي يتوسع، وخدمات عامة تتشكل، واقتصاد ينتقل تدريجياً من عصر اللؤلؤ والغوص والتجارة إلى أفق النفط. وتكمن أهمية تلك المرحلة في أنها جمعت بين المحافظة على استقرار المجتمع والاستجابة لمتغيرات العصر، فكان عهد عيسى الكبير جسراً بين البحرين التقليدية والبحرين الحديثة؛ بين اقتصاد اللؤلؤ والأفق النفطي، وبين الإدارة التقليدية وبدايات التنظيم المؤسسي، وبين التعليم التقليدي والتعليم النظامي.
ومن هنا تأتي أهمية استحضار سيرته في «عام عيسى الكبير 2026»، الذي حمل اسمه بأمر ملكي سامٍ من حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، احتفاءً بصاحب العظمة عيسى الكبير وتخليداً لسيرته ودوره في تاريخ البحرين وبناء مقومات الدولة الحديثة.
وتكتسب هذه المناسبة قيمتها من كونها تستعيد شخصية تاريخية، وتفتح للأجيال نافذة واسعة على مرحلة مهمة من تاريخ الوطن، وتدعو إلى قراءة ما شهدته من استقرار وتطور مؤسسي وتعليمي وصحي ومدني، وفهم الكيفية التي تراكمت بها تلك المنجزات لتصبح جزءاً من مسيرة البحرين الوطنية الممتدة.
وفي هذا السياق، يأتي كتاب الكاتبة سوسن الشاعر «عيسى الكبير.. باني الدولة الحديثة» ليضيء جوانب من شخصيته ومسيرته، ويقدّم قراءة لمرحلة تاريخية ثرية شهدت تحوّلات سياسية واجتماعية واقتصادية ومؤسسية مهمة، بما يُتيح للأجيال فرصة أوسع لفهم الظروف التي أحاطت بحكمه، وما تركه عهده من آثار امتدت إلى المراحل اللاحقة من تاريخ البحرين.
إن التاريخ لا يُقرأ من خلال الأرقام والتواريخ وحدها، وإنما من خلال فهم الظروف التي عاش فيها أصحاب المسؤولية، والقرارات التي اتخذوها، والمؤسسات التي نشأت في عهودهم، والآثار التي تركوها لمن جاء بعدهم. ومن هذا المنظور، فإن استحضار عيسى الكبير هو استحضار لمرحلة كان فيها الوطن يخطو خطواته الأولى نحو منظومة أكثر تنظيماً، ويواجه في الوقت ذاته تحولات إقليمية واقتصادية كبيرة.
ولعل أجمل ما في الاحتفاء بعيسى الكبير في عام 2026 أن المناسبة تدعونا إلى قراءة الماضي بعين الوعي والاعتزاز، لا باعتباره صفحات مضت وانتهت، وإنما باعتباره مصدراً لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. فالأوطان لا تُبنى في يوم واحد، ولا تصنع نهضتها شخصية واحدة أو جيل واحد، وإنما تتعاقب عليها الأجيال، ويضيف كل عهد إلى ما سبقه، ويحفظ منجزاته، ويمهد الطريق لمن يأتي بعده.
إن الوفاء لعيسى الكبير يتحقق بفهم الدروس التي تقدمها سيرته؛ فالقيادة مسؤولية، والاستقرار أساس للتنمية، والحكمة في إدارة شؤون الوطن حماية للمصالح الوطنية، والتعليم استثمار في الإنسان، والمؤسسات ضمان لاستمرارية الدولة، والانفتاح والتعايش مصدر قوة، حين يقومان على الاعتزاز بالهوية واحترام الآخر.
ومن هذا الإرث الممتد، تواصلت مسيرة البحرين في عهود متعاقبة، حتى وصلت إلى مرحلة جديدة ومضيئة في عهد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، الذي واصل مسيرة البناء الوطني، ورسّخ دولة المؤسسات والقانون، ودفع بعجلة التنمية والتحديث، وفتح أمام البحرين آفاقاً أوسع من التقدم والازدهار، مع الحفاظ على هويتها الوطنية وأصالتها.
وفي عهد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، شهدت البحرين تطوراً شاملاً في مختلف المجالات، وتعزّزت مكانة الإنسان باعتباره محور التنمية وغايتها، وتطورت المؤسسات، وترسّخت مسيرة العمل الوطني، وتعزّز حضور المملكة إقليمياً ودولياً. وهكذا امتدت مسيرة البناء من جهود الآباء والأجداد إلى إنجازات الحاضر، في صورة تؤكد أن نهضة الأوطان عمل تراكمي، تتعاقب عليه الأجيال، ويضيف كل عهد إلى ما سبقه، ويمهّد لما بعده.
ومن هنا تتجلّى قيمة الاحتفاء بعيسى الكبير في عام 2026؛ فهو استذكار لشخصية تاريخية، وتذكير بأن البحرين التي نعيشها اليوم هي ثمرة مسيرة وطنية طويلة، بدأت بجهود الروّاد والمؤسسين، وتواصلت بعطاء الأجيال، حتى بلغت ما نشهده اليوم من تقدّم وتنمية في ظل القيادة الحكيمة لجلالة الملك المعظم.
عيسى الكبير حاكمٌ امتد عهده أكثر من ستة عقود، واستحق أن يبقى حاضراً في الذاكرة الوطنية؛ فقد شهدت البحرين في عهده مرحلة مفصلية انتقلت فيها من زمن الغوص واللؤلؤ والتجارة إلى أعتاب عصر النفط، ومن الإدارة التقليدية إلى بدايات التنظيم المؤسسي، ومن التعليم التقليدي إلى التعليم النظامي، ومن محدودية الخدمات إلى نشوء مؤسسات جديدة أسهمت في تشكيل ملامح البحرين الحديثة.
وهكذا يبقى عيسى الكبير غرساً أثمر وطناً، وعهداً أورث مجداً وأثراً؛ وتبقى سيرته دعوة إلى قراءة تاريخ البحرين باعتزاز ووعي، وإلى إدراك أن الوطن الذي نعيش فيه اليوم هو ثمرة جهود أجيال متعاقبة، وأن الوفاء لمن أسهموا في بناء الأمس هو أحد أجمل وجوه الانتماء إلى البحرين.
* مستشار إعلامي وعلاقات مؤسسية