كيف وصلنا إلى هنا، وكان ذلك محور حديث مع رئيس تحرير إحدى الصحف. أي كيف انتقلت حركات التحرر من الاستعمار عبر العالم بعد الحرب العالمية الثانية، إلى جزء من أدوات الحرب الباردة عبر إعادة إنتاجها في قوالب أيديولوجية وأخرى إثنو-قومية.

إلا أن ما يجب أن يعنينا من منظور اليوم هو ما مثّله عام 1979 من حالة متصلة بحقبة ما بعد حركات التحرّر إلى أكثر الأعوام تأثيراً في إعادة تشكيل البنية السياسية والفكرية في الشرقين الأوسط والأدنى خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

فقد شهد ذلك العام تزامناً لافتاً بين أحداث كبرى تجاوزت آثارها الحدود الوطنية للدول المعنية، وأسهمت في إعادة تعريف الشرعية السياسية، والهوية الجماعية، وأنماط الصراع الإقليمي.

ومن أبرزها؛ انتصار الثورة الإيرانية، وتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، والغزو السوفييتي لأفغانستان، وحادثة اقتحام المسجد الحرام في مكة، وترسخ التيار الإثنو-قومي الديني في إسرائيل.

فالثورة الإيرانية، التي انتصرت في فبراير 1979، مثّلت تحوّلاً نوعياً في علاقة الدين بالدولة والسياسة. فقد أطاحت بنظام الشاه محمد رضا بهلوي، الذي ارتبط بسياسات التحديث السلطوي والتحالف الوثيق مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من مشاركة تيارات اجتماعية وسياسية متعددة في الثورة، من ليبراليين ويساريين وقوميين وإسلاميين، فإن المؤسسة الدينية بقيادة آية الله روح الله الخميني استطاعت تدريجياً احتكار السلطة وتأسيس جمهورية إسلامية طائفية المرجعية. وقدّمت الجمهورية الإسلامية الثورية نموذجاً لدولة تستند إلى شرعية دينية، الأمر الذي أثّر في الحركات الإسلامية داخل المنطقة عبر إطلاقها شعار «نصرة المستضعفين في الأرض».

وفي مارس من العام نفسه، مثّلت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية تحوّلاً استراتيجياً في الصراع العربي الإسرائيلي.

فقد أنهت المعاهدة حالة الحرب الرسمية بين مصر وإسرائيل، ومهّدت لاستعادة مصر شبه جزيرة سيناء، لكنها غيّرت في الوقت نفسه مفهوم «الجبهة العربية الموحّدة في مواجهة إسرائيل».

وقد أعادت تلك الاتفاقية بعض الروح في شعارات ممجوجة مثل «القومة والوحدة العربية». إلا أنها سقطت جميعاً يوم قرّر صدام حسين غزو الكويت.

وفي إسرائيل، تزامنت هذه المرحلة مع تصاعد نفوذ التيار الإثنو-وطني الديني، الذي تعزّز بعد وصول حزب الليكود بقيادة مناحيم بيغن إلى الحكم عام 1977. واستند هذا التيار إلى دمج الهوية اليهودية بالقومية السياسية والتصورات الدينية المتعلقة بـ«أرض إسرائيل».

واعتبرت حركات استيطانية، مثل «غوش إيمونيم»، أن الضفة الغربية وقطاع غزة ليستا أراضي محتلة قابلة للتفاوض، بل جزء من المجال التاريخي والديني للشعب اليهودي.

ومن ثمّ، أصبح الاستيطان مشروعاً ذا أبعاد عقائدية قومية (إثنية). وأسهم توسّع المستوطنات في الضفة الغربية في تعميق الطابع الإثني للصراع، وفي تقليص فرص التسوية القائمة على مبدأ الأرض مقابل السلام.

أما الغزو السوفييتي لأفغانستان في ديسمبر 1979، فقد شكّل أول محطة مركزية في تدويل وتوظيف مفهوم «الجهاد». إذ تحولت أفغانستان إلى ساحة استقطاب ومواجهة ضمن معادلة الحرب الباردة بأدوات مُستحدثة.

وأدّى تدفق المتطوعين والسلاح من بلدان عربية وإسلامية للمشاركة في القتال ضد القوات السوفييتية إلى حالة من محاكاة التجربة في جغرافيات أخرى وصولاً للإعلان عن تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، «داعش» رسمياً في أبريل 2013.

كذلك، كشف حادث اقتحام المسجد الحرام في نوفمبر 1979 عن وجود تيارات دينية راديكالية تعارض بعض سياسات التحديث المدني داخل عموم دول شبه الجزيرة العربية.

وقد دفعت الحادثة الدول إلى تعزيز حظر الخطاب الديني المتشدد في المجال العام، سعياً إلى دعم الشرعية السياسية الوطنية واحتواء التحديات الداخلية والاستمرار في تطوير نماذج تنمية اجتماعية أكثر انعتاقاً، مما يرسّخ صوراً نمطية للدولة الإسلامية، وخصوصاً نموذج الجمهورية الثورية الإسلامية في إيران.

ختاماً، لا يفسر عام 1979 وحده صعود التيارات الدينية أو الإثنو-قومية، لكنه مثّل لحظة تاريخية مفصلية تلاقى فيها فشل النماذج الشمولية (القومية العربية تحديداً) في إنتاج دولة وطنية.

ومنذ ذلك التاريخ، بات العنوان الحقيقي للصراعات متمحوراً حول هويات دينية وطائفية تحت عنوان «إعادة إحياء الأمة الإسلامية» من منظور الدول الساعية إلى الهيمنة الإقليمية، مقابل الإثنو-وطني أو القومي في إسرائيل وإن اختلفت مسمّيات كل تلك الصراعات.