أتابع منذ سنوات المبادرات التي توجّه إلى الشباب البحريني، وكثير منها ممتاز ومفيد، لكن اليوم هناك مسألة ينبغي التوقف عندها، إذ برغم عدد البرامج وحجم المشاركة فيها، إلا أن هذه المسألة مرتبطة بنوعية البرامج التي اختار جلالة الملك حفظه الله أن يزورها بنفسه.
قبل أسابيع كان الملك حمد في مدينة شباب 2030، ثم زار معسكر «قدها جونيور». وبين المكانين هناك فرق واضح في الفعاليات والأنشطة، لكن التقارب بينهما كبير في الفكرة.
مدينة الشباب تعد الشاب لما سيواجهه في الدراسة والعمل والمستقبل؛ مهارات جديدة، تقنيات، ابتكارات، مبادرات، وتجارب عملية.
أما معسكر «قدها جونيور» يعمل على جانب آخر لا يقل أهمية، جانب ربما أهملناه فترة طويلة في تربية أجيالنا؛ جانب يعمل على الانضباط، تحمل المسؤولية، العمل الجماعي، الصبر، الاعتماد على النفس، والقدرة على أداء المهمة تحت الضغط.
هذه أمور تبدو بسيطة حينما نتحدث عنها، لكنها ليست كذلك في الحياة حينما نأتي لتطبيقها.
بعد عقود من العمل ومتابعة تجارب الناس والمؤسسات، تصل إلى قناعة بأن مشكلة كثير من الأشخاص لا تكون في نقص المعرفة. لدينا اليوم أجيال أكثر تعليماً، وأسرع وصولاً إلى المعلومة، وأكثر قدرة على استخدام التقنية من كل ما سبقها.
المشكلة تظهر أحياناً في أشياء أقدم بكثير، تظهر في الالتزام، احترام الوقت، الصبر على العمل، تحمل نتيجة القرار، وقبول أن النجاح لا يأتي دائماً بالطريقة والسرعة التي نريدها.
لهذا أعجبني مفهوم «قدها جونيور»؛ إذ ليس المهم أن نحول أبناءنا إلى عساكر، لأن هذا ليس موضوع البرنامج أصلاً. المهم هو تعريفهم مبكراً بثقافة الانضباط التي تقوم عليها المؤسسات العسكرية الناجحة.
لديك مهمة، عليك إنجازها. لديك فريق، لا تعمل وكأنك وحدك. هناك وقت، عليك احترامه. تعبت؟! تعلم كيف تكمل. أخفقت؟! أعد المحاولة، ولا تيأس.
هذه التربية يحتاجها الطفل في العاشرة كما يحتاجها الموظف في سن الأربعين، كمثال.
وفي الموضوع جانب وطني لا أحب التعامل معه بالشعارات.
حب البحرين لا يحتاج إلى أن نطلب من أبنائنا ترديد الكلام عنها طوال الوقت. اجعل ابنك منضبطاً، أميناً في عمله، محترماً للنظام وقيادته، حريصاً على المال العام، مستعداً لخدمة الناس، وعند الضرورة مستعداً للتضحية من أجل بلده؛ عندها يكون قد فهم الوطنية كما يجب أن تفهم.
شخصياً أؤمن بأن جلالة الملك حفظه الله ينظر إلى المسألة بهذه الصورة العملية. فالملك حين يزور مدينة الشباب أو «قدها»، وجوده نفسه يحدد الأولويات لأبنائه من خلال الاهتمام الواضح والدعم الملموس.
وهذه قاعدة يعرفها من عمل طويلاً في الإدارة، إذ تستطيع إصدار عشرات التوجيهات، لكن الملف الذي يتابعه المسؤول الأول بنفسه يعرف الجميع أنه ملف جاد.
وثمة تفصيل أراه أكثر أهمية. جلالة الملك يذهب إلى هؤلاء الأبناء قبل أن يصبحوا أسماء معروفة وقبل أن يحصلوا على الجوائز والمناصب. يزورهم وهم يتعلمون ويتدربون.
نحن عادة نحتفي بالإنسان بعد نجاحه. أما الدولة التي تفكر للمستقبل فعليها أن تهتم به قبل النجاح، في السنوات التي تتكون فيها شخصيته وتتشكل عاداته ونظرته إلى نفسه ووطنه.
وهذا الجانب يفسر كثيراً من أسلوب جلالة الملك مع الشباب والناشئة. البحرينيون يعرفون طبيعة جلالته حين يكون بينهم. هناك بساطة في الحديث وقرب واضح، لكنني أرى الأبوة الملكية الحقيقية في إعدادهم لليوم الذي يصبحون فيه مسؤولين عن أنفسهم وعن غيرهم.
هذه هي النقطة التي تجمع مدينة الشباب بـ«قدها جونيور».
نحن نعطي الجيل الجديد أدوات لم نملك مثلها ونحن في أعمارهم. فرص تعليم، وتقنيات، وبرامج تدريب، وانفتاح على العالم. لكن ماذا عن الشخصية التي ستستخدم كل هذه الأدوات؟!
إذا لم نصنع معها الانضباط والمسؤولية والولاء للبحرين، فنحن أنجزنا نصف المهمة فقط.
لذلك أتمنى ألا نتعامل مع «قدها» باعتباره تجربة صيفية ناجحة وتنتهي، ولا مع مدينة الشباب باعتبارها فعالية موسمية يعود بعدها الجميع إلى ما كان عليه. النموذج يستحق أن يدخل بصورة أوسع في التعليم والتربية والأنشطة الشبابية.
نحن بحاجة إلى جيل يعرف التقنية، لكن يعرف أيضاً قيمة الوقت.
نريده طموحاً، لكن يعرف أن عليه واجبات. نريده منفتحاً على العالم، لكن لا يحتار في هويته حين يسأل إلى أين ينتمي.
هذه، كما أفهمها، رسائل جلالة الملك. والباقي علينا، أولاً في البيت، وفي المدرسة، وفي الجامعة، وفي مواقع العمل.
ولنتذكر، إذا كان الملك يذهب بنفسه إلى حيث يُصنع جيل البحرين القادم، فعلينا نحن ألا نترك صناعة هذا الجيل للظروف أو الصُدف.