جميعنا يعلم أن منطقتنا شهدت تحديات غير مسبوقة، خلال الفترة الأخيرة، منذ بداية الحرب الأمريكية الإيرانية، حيث برزت تحولات اقتصادية واستراتيجية متسارعة أثرت على حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد في المنطقة والعالم، لكن الذي لا يعلمه الجميع، هو أن هناك رؤية خليجية تتشكل بسواعد أبناء المنطقة تسعى لطرح منظومة تكامل اقتصادي يستطيع مجابهة الأزمات بمرونة واستدامة.
فحين قرأت خبر انعقاد جلسة نقاشية لخبراء من دول مجلس التعاون في جامعة البحرين بعنوان «استشراف الآفاق المستقبلية للتكامل الاقتصادي والتنموي الخليجي المشترك»، تيقنت أن قيادات المنطقة الكرام، يعملون ليل نهار لوضع كافة الحلول الممكنة لأي أزمة متوقعة سواء اليوم أو في المستقبل، والاستفادة من التحديات بتحويلها إلى فرص تخدم شعوب المنطقة وتضمن لهم الازدهار والرفاه الذي تعودوا عليه منذ عقود.
في الفترة الأخيرة كانت معضلة المرونة اللوجستية وسلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة الشحن والتأمين على النقل البحري، هي عنوان المشكلة الأبرز التي سببتها الحرب، لكن في المقابل شهدنا ما حدث من قرارات تم اتخاذها لتوفير السلع والبضائع، ولم يشعر مواطن سواء في البحرين أو في أيٍّ من دول التعاون بتأثير يذكر على حجم السلع المعروضة أو تغيّر الأسعار بصورة كبيرة -كما يحدث على مقربة منا- حيث تشهد إيران انهياراً في عملتها وبالتالي اضطرابات في أسعار السلع وأثر سلبي واسع على معيشة المواطن هناك.
ولقد ذكرتني هذه النقاشات والمبادرات، بتجربة النمور الآسيوية التاريخية، باعتبارها مثالاً على إمكانية انتقال اقتصاد فقير ومدمَّر بسبب الحروب إلى اقتصاد متقدم خلال جيل واحد أو جيلين، عبر مزيج من التعليم، والتخطيط الحكومي الذكي، والانفتاح التجاري، والاستثمار في التصنيع المتطور، والمرونة في التعامل مع التحديات.
فالسوق الخليجية المشتركة والاتحاد الجمركي يمثلان ركيزتين أساسيتين في مسيرة التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون، لما لهما من دور في تسهيل حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال وتعزيز فرص الاستثمار والتجارة البينية. كما أن توحيد المواقف والسياسات الاقتصادية يمنح دول الخليج ثقلاً تفاوضياً أكبر عند إبرام الاتفاقيات التجارية والاقتصادية مع الدول والتكتلات الدولية، إذ يصبح التعامل مع دول المجلس بوصفها كتلة اقتصادية متكاملة أكثر تأثيراً وقدرة على تحقيق مصالحها المشتركة. ومن شأن تعميق هذا التكامل أن يعزز تنافسية الاقتصادات الخليجية ويدعم حضورها في الاقتصاد العالمي.
اليوم، مع مثل هذه المناقشات التي يبحثها خبراء دول المنطقة، نرى أفكاراً ومبادرات تساهم بصورة كبيرة في استدامة استقرار الأوضاع الاقتصادية، ولعل من أبرز تلك الأفكار التي تتم مناقشتها هي ضرورة تنوِيع الممرات ووسائط النقل، والربط بين النقل البحري والبري والسككي والجوي، وكذلك تيسير إجراءات العبور الإقليمي للشاحنات عبر منافذ الترانزيت الخليجية لاختصار الوقت، وتخصيص مناطق تشغيلية وإعفاءات تخزينية، وكذلك التنسيق بين الجهات الرقابية والجمارك في دول المجلس.
لكن كل هذه الأفكار يمكن جمعها ضمن إطار واحد، وهو «التكامل الشمولي» بين دول المجلس في العديد من الأمور، وفي مقدمتها التشريعات والإجراءات والاعتراف المتبادل بالاعتمادات المتخذة في إحدى دول الدول، حتى نستطيع تطبيق هذه المبادرات بأسرع وقت ممكن.
وإجمالاً، فإن الدروس المستفادة من الأزمات تؤكد أن الأولوية الاقتصادية لدول مجلس التعاون لم تعد تقتصر على تطوير البنية التحتية المنفردة لكل دولة، بل تتطلب بناء منظومة خليجية متكاملة وموحدة، وأن تحقيق الاستدامة الاقتصادية على المدى الطويل يتطلب استكمال مواءمة التشريعات، وتوحيد الإجراءات الجمركية واللوجستية، وتفعيل خطط الاستمرارية الإقليمية، تجعل من المنطقة محركاً أساسياً للتجارة العالمية.