لم يخلق الله -سبحانه وتعالى- ممرات الأرض وبحارها لتكون إرثاً لفئة أو حكراً على نظام، بل جعلها شرايين حياة متدفقة للعباد، للتجارة والسفر والتواصل بين الأمم. وفي قلب هذه الشرايين يبرز مضيق هرمز كمعبر مائي دولي فذ، يتوسط دولتين متقابلتين في جغرافيته الطبيعية، لا ينفرد بملكيته طرف دون آخر، ولا يقع بأسره تحت سيادة دولة واحدة. ومع ذلك، تأتي ممارسات النظام الإيراني لتعطل هذه الحكمة الإلهية والسنن الكونية، محاولةً وضع اليد على ممر عابر للقارات بمنطق القوة والغطرسة. إن ما تمارسه طهران في مياه الخليج العربي لم يعد مجرد نزاع سياسي، بل تجاوز كل الخطوط الحمراء ليتحول إلى أعمال قرصنة وإرهاب موصوف، تُرتكب جهاراً بحق الملاحة العالمية، وتتجسد أبشع صورها في احتجاز البحارة الأبرياء وحبسهم بعيداً عن أسرهم، وزوجاتهم، وأطفالهم، وآبائهم وأمهاتهم الذين ينتظرون عودتهم بيوتهم بفارغ الصبر. هكذا يتحول المضيق من نافذة أمل وسلام إلى سجن كبير ومعبر للخوف، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية التي تكفل حرية الملاحة وسلامة البشر.
أضف إلى ذلك، فإن إغلاق أو إرباك حركة الملاحة في مضيق هرمز يؤدي إلى تأثيرات مناخية وبيئية مركّبة وتراكمية تمتد من المستوى الإقليمي المباشر إلى المنظومة المناخية العالمية، وهنا سأستعرض تلك التأثيرات المناخية جراء هذا القلق والإرباك والإرهاب:
1. التأثيرات الإقليمية (الخليج العربي والشرق الأوسط):
أ. التلوث البحري وتدهور النظم الساحلية: توقف ناقلات النفط أو استهداف المنشآت والسفن يؤدي إلى تسربات نفطية واسعة النطاق في مياه الخليج العربي شبه المغلقة، وهذه التسربات ترفع من الحرارة السطحية النوعية للماء، وتمنع التبادل الغازي، مما يضر بالشعب المرجانية وأشجار القرم (المناغروف) ويعطل الدورة الطبيعية لتبخر المياه.
ب. تأثر محطات تحلية المياه: تعتمد دول المنطقة كلياً على تحلية مياه البحر؛ وتلوث المياه بالبقع النفطية يزيد من التعقيد التشغيلي واستهلاك الطاقة الحرارية لعمليات التصفية والتقطير، مما يرفع الانبعاثات المحلية.
ج. الانبعاثات الناجمة عن الحرائق والتسريبات: استهداف ناقلات النفط أو منصات الغاز يؤدي إلى إطلاق حرائق ضخمة تنبعث منها أكاسيد الكربون والكبريت والأوزون السطحي، إضافة إلى احتمالية تسرب غاز الميثان (CH4) - وهو من الغازات الدفيئة فائقة التأثير. للعلم، فإن انبعاثات غاز الميثان (CH4) عند التسرب، والتي لها قدرة احتباس حراري تعادل حوالي 12 ضعف ثاني أكسيد الكربون على مدى 100 عام (ونحو 80 ضعفاً على مدى 20 عاماً)، من منصات القناة أو الناقلات المتضررة ترتفع بالبصمة الكربونية الفورية للمنطقة بشكل حاد. تجدر الإشارة هنا إلى أن الحرارة الصادرة عن حرق النفط الخام تساوي 42-45 ميجاجول لكل كجم، مما يعني أن الحرائق الناجمة عن استهداف الناقلات تطلق كميات هائلة من الكربون الأسود والأيروسولات (العوالق الجوية) التي تعمل على تعديل البصمة الإشعاعية (Radiative Forcing) وتغيير أنماط التكاثف السحابي إقليمياً.
2. التأثيرات العالمية:
أ. تغير مسارات الملاحة البحرية: إعادة توجيه السفن وناقلات النفط للالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح يطيل مسافة الرحلات البحرية بنسبة تصل إلى 30%-40%، مما يضاعف استهلاك الوقود الأحفوري للأسطول البحري التجاري ويزيد الانبعاثات العالمية الكلية. للعلم، فإن تدفق الطاقة الكلي هو حوالي 20 مليون برميل نفط يومياً (نحو 20% من الاستهلاك العالمي)، وتوقف هذا التدفق يخل بتوازن معادلات الطاقة العالمية ويدفع لاستبدال آخر بطرق استهلاك أكثر كثافة كربونية. إن تغيير مسار الملاحة الحالي بمسار بديل (رأس الرجاء الصالح) تعني ضمنيا زيادة المسافة بمقدار حوالي 7,000 كيلومتر، وهذا يطيل الرحلة البحرية بمقدار 14 يوماً تقريباً، مما يرفع استهلاك وقود السفن السفلي (Bunker Fuel) بنسبة تصل إلى 45%.
ب. صدمة أسعار الطاقة وتأثيرها على انتقال الطاقة:
1. على المدى القريب: الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز قد يدفع بعض الدول للعودة المؤقتة لاستخدام الوقود الأكثر تلوثاً (مثل الفحم) لتغطية النقص العاجل في إمدادات الكهرباء.
2. على المدى البعيد: يشكل اضطراب الإمدادات دافعاً استراتيجياً للإسراع في استثمارات الطاقة المتجددة (الشمسية والرياح) والهيدروجين الأخضر للحد من الارتهان للممرات البحرية الحرجة.
ج. التأثير على الخصائص الفيزيائية للمياه: عند حدوث تسرب للنفط تتشكل طبقة عازلة تمنع ذوبان الأكسجين وتزيد من امتصاص الإشعاع الشمسي في الطبقة السطحية، مما يرفع الحرارة النوعية الموضعية للمياه وتدمير الشعاب المرجانية، كما أنه سيؤدي إلى انخفاض معامل التبادل الغازي السطحي ومعامل التبخر بمقدار 30%-50% تحت البقع النفطية.
د. زيادة الانبعاثات البحرية العالمية: تحويل مسار السفن يضيف سنوياً عشرات الملايين من أطنان المكافئ الكربوني (CO2e) إلى الغلاف الجوي بسبب زيادة ساعات تشغيل المحركات البحرية.
هـ. الجهد الحراري الإضافي لتحلية المياه: تلوث مياه الخليج بالنفط يرفع الطاقة الاستهلاكية الحرارية والكهربائية لمحطات التقطير الومضي متعدد المراحل (MSF) والتناضح العكسي (RO) بنسبة تتراوح بين 15% و25% لمعالجة المياه قبل التحلية، مما يزيد الانبعاثات الكربونية المحلية.
* أستاذ الفيزياء التطبيقية