وصفت الدبلوماسية الإيرانية بأكثر من وصف، وتعتبر «حياكة السجاد» التوصيف الذي استقر عليه قراء المشهد السياسي. إلا أن قرار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو طرد الوفد الإيراني المشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد حل كل ما عُقد من خيوط تلك السجادة الإيرانية، والتي لطالما تغنى بها البعض عن غير قصد أو جهل.

قرار الوزير روبيو يعد تحولاً من الدبلوماسية المرنة إلى مقاربة أكثر صلابة، تقوم على ربط الانخراط السياسي بجدية السلوك التفاوضي. ووفقاً لما نقله موقع «أكسيوس»، فإن البيت الأبيض كان يأمل في إحراز تقدم خلال مفاوضات صباح الاثنين الماضي والتي توسطت فيها الدوحة، غير أن المحادثات وصلت بحلول أواخر بعد الظهر إلى طريق مسدود. وفي الليلة نفسها، أُبلغ الوفد الإيراني بأمر روبيو المغادرة. ويعكس هذا التسلسل رغبة أمريكية في وضع حد لمسار تفاوضي مفتوح، لم يفضِ إلى مخارج قابلة للاستدامة. وتتصل أهمية القرار بالطريقة التي وظفت بها إيران تعدد مسارات التفاوض. فقد أتاحت القنوات المباشرة وغير المباشرة لطهران إعادة تدوير المسارات، وتأجيل الاستحقاقات، واختبار حدود الصبر الأمريكي.

بذلك تحول الاستنزاف الزمني إلى أداة تفاوضية إيرانية؛ إذ يؤدي إطالة أمد المحادثات، من دون نتائج حاسمة، إلى تهميش القيمة السياسية للموقف الأمريكي وإضعاف أثر أدوات الضغط المرتبطة بها.

كما أسهم تعدد القنوات في إضعاف مسار إسلام آباد، الذي كان من الممكن أن يوفر إطارًا أكثر وضوحًا للوساطة. فالمسارات المتوازية لا توسع دائمًا فرص التسوية، بل دائما ما تقود إلى تشتيت الجهود، ومنح الطرف الأكثر قدرة على المناورة فرصة اختيار القناة الأقل كلفة سياسيًا.

وفي هذا السياق، تكتسب عودة روبيو إلى إدارة الملف دلالة مهمة، وخصوصا بعد إسناد أدوار تفاوضية في أكثر من ملف إلى المبعوثين الرئاسيين كوشنر وويتكوف. فهي تعكس اتجاهاً نحو إعادة مركزية القرار، والحد من تعدد الرسائل والقنوات التي يمكن لطهران استغلالها لإطالة أمد التفاوض. ولا يعني ذلك إلغاء دور المبعوثين، بل إخضاع تحركاتهم لإشراف سياسي أكثر اتساقًا وربطها بأهداف واضحة.

في المقابل، قد يفسر طرح مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جيك سوليفان رأي يقوم على مقاربة مختلفة تماما؛ أي ضرورة التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة، بصرف النظر عن الشكل الذي قد يتخذه ذلك الاتفاق. بمعنى آخر (بغض النظر عن تبعات مثل ذلك الاتفاق على حلفاء الولايات المتحدة الخليجيين الذين فرضت عليهم هذه الحرب).

وقد تستند تلك الرؤية إلى حسابات انتخابية واستراتيجية؛ فإدارة ديمقراطية قد تصل البيت الأبيض في عام 2028 لن ترغب، (وفق تصوره)، في إهدار سنوات ولايتها الأولى في إدارة أزمة شرق أوسطية أخرى. ومن ثم، فإن إنهاء الأزمة باتفاق قابل للتسويق قد يصبح أولوية، خصوصًا أن كان على حساب الخصم الجمهوري.

وهنا تظهر السياسة الخارجية الأمريكية عبر مقاربتين؛ دبلوماسية روبيو الصلبة التي تركز على ردع المماطلة، إذ يطمح الوزير روبيو لأن يكون مرشح حزبه في انتخابات 2028 إن نجح في إطفاء الأزمة. أما مقاربة سوليفان فتعتمد براغماتية حزبه، أي إغلاق الملف (أفغانستان) أو ترحيله (السودان/ غزة/ ليبيا).

نجاح السياسة الخارجية الأمريكية سيظل رهينة قدرتها على الجمع بين تفعيل أدوات ضغط كافية لمنع الاستنزاف، والمرونة الضرورية لإنتاج اتفاق لا يؤجل الحل ولا يؤيد ترحيل الأزمة.