كثيراً ما ننطلق نحو سوانح الحياة بقلوب تستيقن أنها تستطيع أن تفعل الشيء الكثير في عوالم الإنجاز وصناعة الأثر الكبير، وهي تعي دائماً أنها الركن الوطيد في كل محطات الحياة، من أجل أن تعطي أكثر، وتؤثر بصورة أعمق، وتترك بصمتها الخالدة في مسير طويل يمتد إلى الفردوس الأعلى، هناك حيث الخلود الأبدي بعد سعي وجدّ واجتهاد وإحسان وإخلاص، وخطوات لا تتأخر عن ميادين الخير، ومسارعة تبتغي رضا الملك الديّان.
قد يكون المرء حاضراً في كل دقائق الحياة وتفاصيلها المختلفة، منشغلاً بأحداثها ومسؤولياتها التي لا تنتهي، متابعاً لأخبارها التي تؤلم القلب، يركض وراء لقمة العيش، وينتفض غضباً إذا انتُهك حق من حقوقه، وينشغل بهوامش العيش ومساحات الحرية المزعومة، وعوالم الراحة النفسية، وقوالب الحياة الجامدة، لكنه يغفل عن أهم ما ينبغي المحافظة عليه؛ روحه ونفسه وقلبه وصلته بالله عز وجل. تلك الصلة بالله تعالى التي تقوى بتزكية النفس، والابتعاد عن المحرمات، والارتقاء بفعل الطاعات. يقول المولى تعالى: «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا». فقد أفلح من زكّى نفسه بطاعة الله تعالى وصالح الأعمال والأقوال. وقد جاء في تفسير الآية: «قد أفلحت نفس زكّاها الله، وقد خابت نفس دسّاها الله».
نعم، في زحمة الحياة، نكون حاضرين في كل شيء، ومبادرين في كل هوامشها، نسمع منبّهات العمل أو الجامعة أو مواعيدنا مع الأصدقاء، ونصمّ آذاننا عن نداءات الصلاة ومواعيد صلة الأرحام ومبادرات الخير.. زمن تتزاحم فيه المسؤوليات الحياتية، وتتسارع فيه الأوقات والأحداث، حتى أضحينا نلهث وراء سراب خادع لا نعرف نهايته، بل لا نسأل أنفسنا: إلى أين نمضي، وماذا سنقدم؟ نتابع تفاصيل الآخرين، ونسأل عن أدق شؤونهم الحياتية، ونتدخل فيما لا يعنينا، ولكننا نكتشف، ولو بعد حين، أننا غائبون غياباً كلياً عن أنفسنا، ونجهل ما يدور في أعماقنا.. أضحى بعضنا يقيس نجاحه وتميزه بكثرة انشغالاته وإنجازاته في هوامش الحياة المجردة من معاني الإخلاص والتجرد، لا بمقدار الطمأنينة النفسية والقلبية والرضا بما قسمه المولى الكريم من نعم كثيرة.. واكتشفنا أن اللهث وراء الحياة قد أشغلنا عن لحظات جميلة مع أعز من نملك، أهلنا وأحبابنا القريبين من قلوبنا، وأبعدنا عن لحظات السكينة، بل أفقدنا هدوءاً نفسياً كنا نحتاج إليه لنعود جادّين إلى جادة الصواب..
كثيرًا ما نتساءل: كيف يحق لنا أن نغيب عن أنفسنا ولو للحظة واحدة، وهذه الروح التي بين جنبينا أمانة في هذه الحياة، لها أجل محدد تغادر فيه هذه المحطة إلى أخرى، وتلقى مصيرها المحتوم عند بارئها، إما إلى جنة وإما إلى نار؟ كيف يحق لنا أن نغيب عن الخير، وهو صمّام الأمان في الحياة، وطوق النجاة من ملماتها الكثيرة، التي يترصّد فيها الشيطان وأعوانه للمسلم، حتى يُنسوه غاياته في هذه الحياة؟
نغيب عن أنفسنا ونستسلم لضجيج الحياة وضجيج مرضى النفوس، الذين تمادوا في ممارسة أبشع صفات البشر، وهم يبرزون أنيابهم من أجل أن يبثوا همومهم وأحزانهم وسلبياتهم وطبائعهم السيئة، فاعتادوا أن يكونوا ذئابًا تنهش ستائر المحطات الجميلة، ولكن أنّى لهم ذلك في زمن لا يصح فيه إلا الصحيح، بقدر الله تعالى وكرمه وسعة عفوه؟ هم كذلك.. فلا نسمح لهم بأن يُنسونا أجمل لحظات الهدوء النفسي الذي اعتدناه في أعمال الخير.. يجب ألا نسمح لضجيج العالم بأن يسكن ذواتنا، وأن نلاحق المشكلات النفسية ومشكلات العالم، وننشغل بالمقارنات، وتتبع الخلافات الاجتماعية بين الأفراد، أو في محيط العمل، فنكتشف أننا سلبنا أنفسنا سلامها الداخلي، ولم نكن على القدر الكافي من الوعي. لقد سمحنا للضجيج الحياتي بأن يتغلغل في قلوبنا ويستوطنها، وهو ما أسميه «الضجيج القلبي»، الذي أبعدنا عن مساحات الإيمان والسكينة القلبية.
أهملنا أشياء صغيرة جميلة، مع علمنا أنها تصنع سعادتنا، ولكننا نحمد الله عز وجل أننا عدنا إليها سريعًا، لنجدد في نفوسنا معاني غبنا عن أثرها في الحياة. في لقاء جميل بصحبة أهل الخير، الذين جمعتنا بهم أجمل لحظات الحياة، وتركنا معهم أطيب الأثر، نتقاسم الضحكات، ونستذكر مواقف وذكريات جميلة، ونتعانق بدفء المشاعر والأحاسيس، ونستمع لأساتذتنا الذين يملكون ذخيرة كبيرة من نصائح الحياة، فنُقبل عليها لنربي أنفسنا ونروّضها على فعل الخير. أشياء صغيرة لربما صنعت في نفوسنا الكثير، ومنها جلسة عائلية نصادق فيها أزواجنا وأبناءنا، ونتزاور في الله ونصل أرحامنا.. بعض اللحظات والتفاصيل البسيطة لربما لا تحتاج إلى إنفاق كبير أو تخطيط مسبق، بل تحتاج إلى حضور قلبي ونفسي في مواطنها، حتى نستمتع أكثر بفعل الخير.. فقد اعتدنا أن تمر بجوارنا دون أن نشعر بقيمتها، ولكننا نكتشف، حين نعود إلى ساعات التأمل، أنها مضيئة بالخيرات، فتُبعدنا عن الضجيج، وتعيدنا إلى رحاب المولى الكريم، بإحسان وصدق مع الله عز وجل.
عندما نحرص على عدم تأخير العودة إلى أنفسنا، وألا نطيل الغياب عنها، فإننا نكون قد أحسنّا إلى نفوسنا، قال تعالى: «إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا». وهنا يتجلى أن ما يقدمه الإنسان من خير أو شر يعود أثره إلى نفسه، ومن هنا ينبغي ألا ننشغل عنها، فهي موطن السعادة الحقيقية إن أحسنّا تزكيتها وتربيتها على معالم الخير. لا نؤجل العودة إلى الله تعالى، فبها نعود إلى نفوسنا عودة حقيقية، فنعطي كل شيء قدره وحقه، ولا نسمح للمسؤوليات الهامشية بأن تستحوذ على كل مساحات أعمارنا. لا نسمح للمشاغل بأن تنهك أجسادنا وصحتنا وراحتنا وعلاقاتنا العائلية، ولا نسمح لجوانب الحياة الثانوية بأن تطغى على جوانبها الأهم، فالتوازن هنا مطلوب. نعود إلى الله تعالى عوداً دائماً، فهو الملجأ والمنجى من الملمات.. نخلو مع الله في رحاب المساجد وزوايا العبادة في البيوت، ونتأمل في نعمه الظاهرة والباطنة، ونحاسب أنفسنا قبل أن نُحاسب، ونتغير إلى الأفضل، ونظل نعمل على تمكين أنفسنا لتكون معالم الخير هي الظاهرة في حياتنا.
ومضة أمل
سنمضي في دروب الخير، لا نغيب عن أثره.. أبدًا ما حيينا..