منذ اللحظة الأولى، بدا أن المسرح لا يستعد لحفلٍ غنائي، بل لليلةٍ ستبقى في الذاكرة طويلاً.
على خشبة مسرح البحرين الوطني، وفي افتتاح أمسيات مهرجان البحرين الدولي للموسيقى في نسخته الخامسة والثلاثين، جاء الموسيقار خالد الشيخ محمّلًا بسنواتٍ من اللحن، والحنين، والذاكرة، في أمسية حملت عنوان «تذكّرني»، وكأن العنوان كان دعوةً مفتوحة لكل واحدٍ منا كي يفتّش في قلبه عن أغنيةٍ قديمة، أو لحظةٍ جميلة، أو زمنٍ لم يغب تماماً.
استهلّت الفنانة فاطمة الأمسية بصوتها العذب، فكانت كنسمةٍ أولى سبقت المطر، ومهّدت للقلوب طريقها نحو ما سيأتي.
ثم أطلّ خالد الشيخ.
ولم يكن حضوره حضور فنانٍ يقف أمام جمهوره فحسب، بل حضور إنسانٍ يعرف كيف يكسر المسافة بين المسرح والمقاعد. بخفة روحه، وعفويته، وابتسامته، جعل من الأمسية مجلساً واسعاً للفرح. كان ينتقل بين الغناء والحديث والمرح بسلاسةٍ محببة، حتى بدا أن الفرح نفسه صار فردًا من أفراد الفرقة.
ولم تتوقف المفاجآت عند الغناء.
فقد قدّم خالد الشيخ الفنان البحريني صاحب الصوت الأصيل أحمد الجميري، أحد الحاضرين للاستماع إلى الأمسية، فتحولت اللحظة إلى مشهدٍ بحريني خالص؛ صوتان من ذاكرة الفن، وحضوران يحمل كلٌّ منهما زمناً كاملاً من الأغنية.
وحين تلاقى خالد الشيخ والجميري، شعرنا كأننا ننتقل من غيمةٍ إلى أخرى.
غيمةٌ تحمل البحرين القديمة، وأخرى تحمل الخليج بأغنياته وحنينه، وبينهما جمهورٌ ترك نفسه للموسيقى، حتى هطل اللحن على القلوب غيثاً من الإحساس والجمال.
كان الشعر حاضراً أيضاً.
حضر الشاعر علي الشرقاوي، وحضرت الشاعرة فتحية عجلان، وترنّم خالد الشيخ بأعمالٍ من كلماتهما، فتحولت القصائد إلى أصواتٍ تمشي بيننا. لم تعد الكلمات حبراً على ورق، بل صارت نغماً، وصارت الموسيقى جناحاً للشعر.
وامتدت الرحلة إلى محطاتٍ من تجربة خالد الشيخ الخليجية، وإلى أعمال ارتبطت بأسماء فنية كبيرة، من بينها تجربة الفنان الكويتي القدير عبدالله الرويشد، فبدت الأمسية وكأنها تستعيد فصلاً من ذاكرة الأغنية الخليجية،
ذلك الزمن الذي كانت فيه الكلمة تُنتقى بعناية، واللحن يُصنع على مهل، والأغنية تعيش طويلاً.
وفي الخلف، كانت فرقة البحرين للموسيقى، بقيادة المايسترو الدكتور زياد زيمان، تصنع للمشهد روحه الكاملة.
لم تكن الآلات مجرد مصاحبة، بل كانت شريكاً حقيقياً في الحكاية؛ وترٌ يهمس، وإيقاعٌ يوقظ، ونغمةٌ ترتفع ثم تعود، فيما كان المايسترو يقود هذا البحر من الأصوات بثقة وانسجام.
كانت أمسية خفيفة على القلب، ممتلئة بالمرح، والحنين، والبهجة.
لم يكن الحضور يستمع فقط؛ كان يبتسم، ويتذكر، ويستعيد شيئاً من ذاته.
وحين انتهت الليلة، انتهى الحفل فقط.
أما الموسيقى، فبقيت.
بقي منها صوت فاطمة، وابتسامة خالد الشيخ، وحضور أحمد الجميري، وكلمات علي الشرقاوي وفتحية عجلان، وعزف الفرقة، ويد المايسترو وهي تجمع كل ذلك في مشهدٍ واحد.
شكراً لكل من صنع تلك الأمسية؛ لأنها لم تكن مجرد ليلةٍ فنية، بل فسحةً من الفرح في زحام الأيام.
خرجنا منها أخفَّ قلباً، وكأن شيئاً جميلاً مرّ على أرواحنا ورتّبها.
فهل تنتهي الموسيقى حين يُسدل الستار، أم أن أجمل الألحان تبدأ حياتها الحقيقية بعد أن نصمت نحن؟