أحدثت أدوية إنقاص الوزن وعلاج السكري الشائعة، مثل سيماغلوتيد -الذي يُسمى تجاريًا "أوزمبيك"- وتيرزيباتيد، نقلة نوعية في علاج السمنة والتحكم بمستويات السكر في الدم.

والآن، يقول باحثون في جامعة بنسلفانيا إن الذكاء الاصطناعي قد يسهم أيضًا في الكشف عن الآثار الجانبية التي يناقشها المرضى عبر الإنترنت، والتي لا تُذكر دائمًا بشكل كامل في التجارب السريرية أو الوثائق الرسمية للأدوية.

في دراسة جديدة نُشرت في مجلة "نيتشر هيلث"، حلل الباحثون أكثر من 400 ألف منشور على موقع "ريديت" كتبه ما يقرب من 70 ألف مستخدم على مدى أكثر من خمس سنوات، بحسب تقرير لموقع "ScienceDaily " المتخصص في أخبار العلوم والأبحاث، اطلعت عليه "العربية Business".

وسلطت نتائجهم الضوء على العديد من الأعراض الشائعة، بما في ذلك بعض الأعراض التي قد تستحق مزيدًا من البحث العلمي، مثل اضطرابات الحيض والشكاوى المرتبطة بدرجة الحرارة كالقشعريرة والهبات الساخنة.

وقال شارث تشاندرا غونتوكو، الأستاذ المشارك في علوم الحاسوب والمعلومات في كلية الهندسة بجامعة بنسلفانيا والمؤلف الرئيسي للدراسة: "بعض الآثار الجانبية التي رصدناها، مثل الغثيان، معروفة جيدًا، وهذا يدل على أن الطريقة تلتقط إشارات حقيقية".

وأضاف: "أما الأعراض التي لم يُبلّغ عنها بشكل كافٍ، فهي مؤشرات جاءت مباشرة من المرضى أنفسهم وبشكل عفوي، وقد يكون من المفيد أن يوليها الأطباء اهتمامًا".

وقال لايل أونغار، أستاذ نظم المعلومات الحاسوبية وأحد المشاركين في الدراسة، إن مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن توفر فهمًا أعمق للمخاوف التي قد لا يطرحها المرضى دائمًا أثناء الزيارات الطبية.

وأضاف أونغار: "عادةً ما تكشف التجارب السريرية عن أخطر الآثار الجانبية للأدوية، لكنها قد تفشل في تحديد الأعراض التي تثير قلق المرضى أكثر من غيرها. ورغم أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تمثل الجميع بالضرورة، فإن العدد الكبير من المنشورات قد يعكس مخاوف إضافية".

شدد الباحثون على أن الدراسة لا تثبت أن الأدوية تسببت بالفعل في الأعراض التي جرى الحديث عنها عبر الإنترنت، بل تشير النتائج إلى أنماط قد تستحق مزيدًا من البحث.

وقال نيل سيغال، المؤلف الأول للدراسة وطالب الدكتوراه في نظم المعلومات الحاسوبية، الذي يشرف عليه غونتوكو وأونغار: "لا يمكننا الجزم بأن أدوية GLP-1 تسبب هذه الأعراض بالفعل، لكن نحو 4% من مستخدمي ريديت في عينتنا أبلغوا عن اضطرابات في الحيض، وكانت النسبة ستصبح أعلى إذا اقتصر التحليل على النساء فقط. ونعتقد أن هذه إشارة تستحق التحقيق".

وأدوية GLP-1 هي مجموعة أدوية بتقلّد تأثير هرمون طبيعي في الجسم اسمه "Glucagon-Like Peptide-1" وهو يقوم بتنظيم السكر والشهية.

وتستند الدراسة إلى سنوات من العمل في تحليل المحادثات عبر الإنترنت بحثًا عن مؤشرات تتعلق بالآثار الجانبية للأدوية.

وكان أونغار قد شارك في واحدة من أوائل المشروعات التي استخدمت المحتوى الذي ينشئه المستخدمون على الإنترنت لرصد تقارير التفاعلات الدوائية الضارة، وذلك عام 2011.

وقال أونغار: " تعمل مجتمعات المرضى عبر الإنترنت بطريقة تشبه كثيرًا الأحاديث المتداولة داخل الأحياء السكنية. فالأشخاص الذين يستخدمون هذه الأدوية يتبادلون الملاحظات والخبرات فيما بينهم بشكل فوري، ويشاركون تجارب نادرًا ما تجد طريقها إلى زيارة الطبيب أو إلى التقارير الرسمية".

ومع توسع مواقع التواصل الاجتماعي، يقول الباحثون إن هذه النقاشات أصبحت مصدرًا متزايد الأهمية للمعلومات المرتبطة بالصحة، رغم أن جمع البيانات وتحليلها أصبح أكثر صعوبة بمرور الوقت.

وقال غونتوكو: "التجارب السريرية تظل المعيار الذهبي، لكنها بطبيعتها بطيئة. وما نقوم به ليس بديلًا عنها، لكنه قادر على التحرك بسرعة أكبر بكثير، وهذه السرعة تصبح مهمة عندما يتحول دواء ما من منتج محدود الاستخدام إلى شائع الانتشار خلال فترة قصيرة".

كان أحد أبرز التحديات في دراسة النقاشات الصحية عبر الإنترنت يتمثل في الحجم الهائل للبيانات. فالناس يصفون الأعراض بطرق مختلفة ومتعددة، ما يجعل من الصعب مقارنة منشورات مواقع التواصل الاجتماعي بشكل منهجي مع المصطلحات الطبية المعيارية الموجودة في "القاموس الطبي للأنشطة التنظيمية" (MedDRA)، الذي يستخدمه الأطباء لتصنيف الأعراض.

وغيّر ظهور النماذج اللغوية الكبيرة مثل GPT وجيميناي هذا الوضع. ووفقًا للباحثين، تُتيح أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه الآن معالجة كميات هائلة من النقاشات على الإنترنت بسرعة أكبر وبدقة أعلى.

وقال سيغال: "أتاحت نماذج اللغة الكبيرة تنفيذ هذا النوع من التحليل بسرعة أكبر، مع مستوى من التوحيد القياسي كان من الصعب تحقيقه في السابق".

ورغم أن مستخدمي ريديت لا يمثلون عامة السكان بشكل كامل، لأنهم يميلون إلى أن يكونوا أصغر سنًا، وأكثر ميلًا للذكور، ويتمركز عدد كبير منهم في الولايات المتحدة، فإن العديد من الأعراض المُبلّغ عنها تطابقت مع آثار جانبية معروفة بالفعل لدواءي سيماغلوتيد وتيرزيباتيد.

وذكر نحو 44% من المستخدمين في الدراسة تعرضهم لعرض جانبي واحد على الأقل، وكانت مشكلات الجهاز الهضمي الأكثر شيوعًا.

ما لفت انتباه الباحثين بشكل خاص كان وجود أعراض قد لا تكون ممثلة بصورة كاملة في النشرات الدوائية الحالية أو في أنظمة الإبلاغ التقليدية عن الآثار الجانبية.

فما يقرب من 4% من المستخدمين الذين أبلغوا عن آثار جانبية تحدثوا أيضًا عن أعراض مرتبطة بالصحة الإنجابية، من بينها عدم انتظام الحيض، والنزيف بين الدورات، وغزارة النزيف.

كما أبلغ مستخدمون آخرون عن أعراض مرتبطة بدرجة حرارة الجسم، مثل القشعريرة، والشعور بالبرد، والهبات الساخنة، وأحاسيس تشبه الحمى.

وبرز الإرهاق أيضًا كواحد من أكثر الأعراض التي جرى الحديث عنها. بل إنه جاء في المرتبة الثانية بين أكثر الأعراض شيوعًا التي أبلغ عنها مستخدمو ريديت، رغم ظهوره بشكل أقل وضوحًا في العديد من التجارب السريرية.

وقالت جينا شو ترونيري، كبيرة الباحثين في مركز بنسلفانيا لاضطرابات الوزن والأكل، والمشاركة في تأليف الدراسة: "يُعتقد أن هذه الأدوية تعمل عن طريق تنشيط جزء من الدماغ يُسمى الوطاء، والذي يُساعد في تنظيم مجموعة واسعة من الهرمونات".

وأضافت: "هذا لا يعني بالضرورة أن الأدوية تتسبب في هذه الأعراض، لكنه قد يشير إلى أن التقارير المتعلقة بتغيرات الدورة الشهرية وتقلبات حرارة الجسم تستحق دراسة أكثر منهجية".