وليد صبري

قال استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان وأمين سر جمعية أصدقاء الصحة د. إيهاب رخا إن اضطراب ما بعد الصدمة يُعد حالة نفسية تندرج ضمن اضطرابات القلق المرتبطة بالصدمات، ولا يعبر عن ضعف في الشخصية، بل يمثل رد فعل فسيولوجياً ونفسياً معقداً تجاه أحداث غير عادية، موضحاً أن هذا الاضطراب يحدث عندما يعجز الدماغ عن معالجة حدث صادم بشكل طبيعي، مما يجعله محبوساً في حالة من الاستنفار الدائم، وداخل "سجن من الذكريات".

وأضاف د. إيهاب رخا في تصريحات لـ"الوطن" أن اضطراب ما بعد الصدمة ينشأ بعد التعرض لحدث مروع أو كارثي، سواء بالتعرض المباشر، أو مشاهدة الحدث، أو حتى سماع تفاصيل مؤلمة عن شخص مقرب، مشيراً إلى أن هذه الأحداث تشمل الحروب، والكوارث الطبيعية، والحوادث الخطيرة، والاعتداءات الجسدية.

وأشار إلى أن أعراض اضطراب ما بعد الصدمة تُصنف عادة إلى أربع مجموعات رئيسية، أولها إعادة العيش، من خلال استرجاع ذكريات الحدث بشكل قسري ومؤلم أو رؤية كوابيس متكررة، مما يجعل المريض يشعر وكأن الصدمة تتكرر في الوقت الحاضر.

وتابع أن المجموعة الثانية تتمثل في التجنب، حيث يحاول المريض بوعي أو دون وعي تجنب الأماكن أو الأشخاص أو حتى الأفكار والمشاعر التي تذكره بالحدث، الأمر الذي يؤدي إلى انسحاب اجتماعي تدريجي.

وأضاف أن المجموعة الثالثة تشمل التغيرات السلبية في التفكير والمزاج، مثل الشعور المستمر بالخوف أو الغضب أو الذنب، وقد يفقد الشخص القدرة على تذكر جوانب مهمة من الحدث، أو يشعر بانفصال عاطفي عن الآخرين.

ولفت إلى أن المجموعة الرابعة تتمثل في الاستثارة واليقظة المفرطة، من خلال البقاء في حالة تأهب قصوى، مما يؤدي إلى سرعة الغضب، وصعوبة النوم، ونوبات الفزع عند سماع أصوات مفاجئة، إضافة إلى صعوبة شديدة في التركيز.

وأوضح رخا أن الاضطراب يؤثر من الناحية الطبية على مناطق محددة في الدماغ، من بينها اللوزة الدماغية المسؤولة عن معالجة الخوف، والتي تصبح مفرطة النشاط، إضافة إلى الحصين المسؤول عن الذاكرة، والذي قد يتقلص حجمه أو يتأثر عمله، مما يمنع الدماغ من تصنيف الذكرى كحدث ماضٍ.

وأضاف أن قشرة الجبهة، المسؤولة عن التحكم في الانفعالات، قد تفقد قدرتها على تهدئة مراكز الخوف، وهو ما يفسر استمرار حالة القلق والاستنفار لدى المريض.

وأكد أن هناك بروتوكولات علاجية فعالة لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة، تعتمد على العلاج النفسي المتخصص والعلاج الدوائي، موضحاً أن العلاج بالتعرض يساعد المريض على مواجهة ذكرياته بطريقة آمنة وتدريجية لتقليل الحساسية تجاهها.

وأشار إلى أن تقنية معالجة إزالة الحساسية وحركة العين (EMDR) تُعد من التقنيات المبتكرة التي تساعد الدماغ على إعادة معالجة الذكريات الصادمة وتخزينها بشكل صحيح، فيما يهدف العلاج المعرفي إلى تغيير الطريقة التي ينظر بها الشخص للصدمة ولنفسه بعدها.

وتابع أن العلاج الدوائي يعتمد على استخدام مضادات الاكتئاب، خاصة أدوية الـSSRIs، للمساعدة في إدارة أعراض القلق الشديد واليقظة المفرطة وتحسين جودة النوم.

وشدد رخا على أن المحيط الأسري والاجتماعي يلعب دوراً حاسماً في التعافي، موضحاً أن تفهم المحيطين لطبيعة الاضطراب، وتجنب لوم المريض، وتوفير بيئة هادئة ومستقرة، يقلل بشكل كبير من حدة الانتكاسات، ويسرع عملية الدمج المجتمعي.

وقال إن طلب المساعدة الطبية عند استمرار الأعراض لأكثر من شهر يُعد الخطوة الأهم، مؤكداً أن التعافي من اضطراب ما بعد الصدمة ممكن تماماً، وأن الهدف ليس نسيان ما حدث، بل تجريد الذكرى من قدرتها على التحكم في حاضر المريض ومستقبله.