وليد صبري

أكد استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان وأمين سر جمعية أصدقاء الصحة د. إيهاب رخا أن إدمان المخدرات لم يعد مجرد سلوك منحرف أو عادة سيئة كما يعتقد البعض، بل هو اضطراب نفسي مزمن ومعقد يحتاج إلى فهم مجتمعي وعلاج طبي ونفسي متكامل، مشدداً على أن التعامل مع المدمن باعتباره مذنباً أو وصمة اجتماعية يزيد من تفاقم الأزمة، ويؤخر فرص التعافي الحقيقي. وأوضح أن الوقاية من تلك الآفة تبدأ من الأسرة، من خلال بناء علاقة صحية مع الأبناء قائمة على الحوار والاحتواء والرقابة الواعية، إلى جانب تعزيز الوعي بالمخاطر النفسية والاجتماعية المرتبطة بالتعاطي.

وأضاف رخا، في حوار لـ"الوطن" بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، أن الإدمان أصبح ظاهرة صحية عالمية تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية والبيولوجية، لافتاً إلى أن الضغوط النفسية، واضطرابات القلق والاكتئاب، والتفكك الأسري، ورفقاء السوء، جميعها عوامل قد تدفع بعض الأشخاص إلى طريق التعاطي. وأكد أن العلاج الناجح لا يعتمد فقط على سحب المخدر من الجسم، بل يقوم على التدخل المبكر، والدعم الأسري، والعلاج النفسي والدوائي المتكامل، بما يساعد المريض على استعادة حياته بشكل صحي ومستقر. وفيما يلي نص الحوار:

هل يعتبر الإدمان مرضاً نفسياً أم سلوكاً مكتسباً؟

- الإدمان في جوهره حالة مركبة تبدأ غالباً كسلوك مكتسب، نتيجة تجربة أو تأثير بيئي أو اجتماعي أو عامل نفسي، لكنها لا تبقى مجرد عادة اختيارية. مع الاستمرار، تحدث تغييرات بيولوجية حقيقية في الدماغ، خاصة في مناطق التحكم بالمكافأة والدافعية واتخاذ القرار، ما يحوّله إلى اضطراب نفسي مزمن متفاقم. هذه التغيرات تجعل الدماغ “يعيد برمجة نفسه” بحيث يصبح البحث عن المخدر أولوية تفوق الاحتياجات الأساسية، وهو ما يفسر صعوبة التوقف رغم إدراك الضرر.

وتُظهر البيانات العالمية في تقرير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة أن نحو 314 مليون شخص حول العالم تعاطوا المخدرات في عام 2025، بزيادة تقارب 20% خلال عقد واحد، وهو ما يعكس أن الإدمان ظاهرة صحية عالمية.

ما العوامل النفسية التي قد تدفع الشخص إلى التعاطي؟

- العوامل النفسية تعد من أقوى دوافع الدخول في دائرة التعاطي، إذ يلجأ كثير من الأفراد إلى المخدرات كوسيلة للهروب من معاناة داخلية لم يتم التعامل معها بشكل صحي أو كمعالجة ذاتية لاضطراب نفسي لم يتم تشخيصه مسبقاً. ومن أبرز هذه العوامل: الاكتئاب، القلق المزمن، الصدمات النفسية، الشعور بالوحدة أو العزلة، وضعف تقدير الذات. كذلك تلعب الضغوط الحياتية مثل الفشل الدراسي أو المشكلات الأسرية دوراً مهماً.

ومن المهم الإشارة إلى أن التعاطي في سن مبكرة يمثل عامل خطر كبير، حيث إن الدماغ في مرحلة النمو يكون أكثر قابلية للتأثر، وقد أظهرت البيانات أن البدء المبكر يزيد احتمالية تطور الإدمان لاحقاً بشكل ملحوظ.

كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي ورفقاء السوء على انتشار ظاهرة الإدمان؟

- تلعب وسائل التواصل الاجتماعي ورفقاء السوء دوراً محورياً في انتشار الإدمان، خصوصاً بين فئة الشباب والمراهقين، حيث تتداخل العوامل النفسية والاجتماعية لتشكل بيئة خصبة لبدء التعاطي والاستمرار فيه.

فيما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي، فهي سلاح ذو حدين. فمن ناحية، يمكن أن تكون أداة قوية للتوعية والتثقيف، لكنها في المقابل قد تتحول إلى منصة لتطبيع سلوك التعاطي بصورة غير مباشرة. بعض المحتوى يُظهر المخدرات بشكل "مغري" أو مرتبط بالمرح والاسترخاء أو النجاح الاجتماعي، دون تسليط الضوء الكافي على المخاطر الحقيقية. هذا النوع من الرسائل قد يؤثر بشكل كبير على وعي الشباب، خاصة في غياب التوجيه الأسري أو التعليمي، فيكوّن لديهم تصور خاطئ بأن التعاطي تجربة عادية أو غير خطيرة.

كما تسهم وسائل التواصل في تسهيل الوصول إلى المواد المخدرة، أو إلى شبكات الترويج، سواء عبر الرسائل الخاصة أو المجموعات المغلقة، وهو ما يزيد من خطورة الظاهرة. بالإضافة إلى ذلك، تلعب المقارنة الاجتماعية دوراً مهماً؛ حيث يتعرض الشباب لضغوط نفسية نتيجة محاولة تقليد ما يرونه من أنماط حياة، مما قد يدفع بعضهم للتجربة بحثاً عن القبول أو الانتماء.

أما بالنسبة لـرفقاء السوء وضغط الأقران، فهو من أخطر العوامل على الإطلاق، خاصة في سن المراهقة والشباب. الإنسان بطبيعته يسعى للانتماء، وعندما يكون ضمن مجموعة تمارس التعاطي، فإنه قد يشعر بضغط مباشر أو غير مباشر للمشاركة، سواء لإثبات ذاته أو لتجنب الرفض. وفي كثير من الحالات، تكون "التجربة الأولى" نتيجة إلحاح أو تشجيع من الأصدقاء.

كما أن وجود الشخص في بيئة اجتماعية تُمارس فيها هذه السلوكيات بشكل متكرر يؤدي إلى تطبيعها تدريجياً، بحيث يفقد الإحساس بخطورتها مع الوقت. هذا بالإضافة إلى أن رفاق السوء قد يعززون السلوك الإدماني من خلال تبريره أو التقليل من أضراره، مما يُصعّب على الشخص اتخاذ قرار التوقف.

من الناحية النفسية، يتكامل تأثير وسائل التواصل مع ضغط الأقران، حيث يُعزز كل منهما الآخر، فالشخص يرى محتوى يُطبع التعاطي، ثم يجد من حوله من يشجعه عليه، مما يخلق دائرة مغلقة من التأثيرات السلبية.

ما أبرز التغيرات النفسية والسلوكية التي تظهر على الشخص المدمن؟

- المدمن يمر بتحولات تدريجية لكنها تكون واضحة لمن يراقب عن قرب. تبدأ غالباً بتغيرات مزاجية مثل العصبية أو الاكتئاب، ثم تتطور إلى سلوكيات أكثر وضوحاً كالعزلة الاجتماعية، إهمال المسؤوليات، والكذب أو التصرف بسرية أو السلوكيات الإدمانية المصاحبة كالمرواغة والتحايل ونحوهما. مع تقدم الحالة، قد تظهر اضطرابات في النوم والشهية، وقد يصل الأمر إلى أعراض ذهانية مثل الشك المرضي أو الهلاوس، خاصة مع بعض المواد مثل المنشطات وقد تصل في بعض الحالات الشديدة ومع وجود أضطرابات الشخصية إلى إيذاء النفس أو الاعتداء على الغير.

كيف يؤثر نوع المادة المخدرة على الحالة النفسية والعقلية؟ وهل يختلف أسلوب التعامل؟

- بالتأكيد، لكل مادة مخدرة "بصمة نفسية" مختلفة. على سبيل المثال، المنشطات مثل الكوكايين والأمفيتامين ترفع النشاط بشكل مؤقت لكنها تؤدي إلى قلق شديد وأحياناً بارانويا تتمثل في الهلاوس والضلالات. أما المهدئات والأفيونات فإنها تمنح شعوراً زائفاً بالراحة لكنها تقود إلى اكتئاب عميق واعتماد قوي. بخلاف المهلوسات التي تؤثر في الإدراك وتشوّه الواقع.

وتُظهر التقارير أن الأفيونات تمثل العامل الأكبر في الوفيات المرتبطة بالمخدرات عالمياً. لذلك، يختلف العلاج بشكل كبير حسب نوع المادة، سواء من حيث الأدوية المستخدمة أو نوع العلاج النفسي.

كيف يمكن للأسرة اكتشاف العلامات المبكرة لإدمان المخدرات؟

- اكتشاف الإدمان في مراحله المبكرة يُعد عاملاً حاسماً في نجاح العلاج، لأن التدخل المبكر يمنع تطور الحالة إلى مراحل أكثر تعقيداً. الأسرة غالباً تكون أول من يلاحظ التغيرات، لكن المشكلة أن هذه التغيرات قد تكون تدريجية أو يُساء تفسيرها.

من أبرز العلامات المبكرة التي يجب الانتباه لها التغير المفاجئ في السلوك والشخصية، مثل انتقال الشخص من الهدوء إلى العصبية أو العكس، وفقدان الاهتمام بالأنشطة التي كان يستمتع بها سابقاً. كذلك، يُعد التراجع في الأداء الدراسي أو المهني مؤشراً مهماً، خاصة إذا لم يكن له سبب واضح.

أيضاً، من العلامات الشائعة تغيّر دائرة الأصدقاء بشكل مفاجئ، والابتعاد عن الأسرة، مع زيادة الميل إلى العزلة أو قضاء وقت طويل خارج المنزل دون تفسير مقنع. وقد يُلاحظ أيضًا طلب المال بشكل متكرر أو غير مبرر، أو اختفاء أموال أو مقتنيات من المنزل.

على المستوى الجسدي، قد تظهر علامات مثل اضطرابات النوم، فقدان أو زيادة الشهية، احمرار العينين، أو إهمال المظهر الشخصي. كما أن السلوك السري والكذب والمراوغة يعد من الإشارات المهمة، حيث يبدأ الشخص في إخفاء نشاطاته أو استخدام الهاتف بشكل مفرط بسرية.

اكتشاف هذه العلامات لا يعني بالضرورة وجود إدمان مؤكد، لكنه جرس إنذار مبكر يستدعي الانتباه والحوار والتقييم.

ما الأخطاء الشائعة التي تقع فيها الأسر أثناء التعامل مع المدمن؟

- رغم حسن النية، تقع كثير من الأسر في أخطاء قد تعمّق المشكلة بدل حلها. من أبرز هذه الأخطاء اللوم المفرط والتوبيخ المستمر، مما يدفع المدمن للشعور بالرفض والعزلة ويزيد من إنكاره للمشكلة.

خطأ آخر شائع هو التغطية على السلوك الإدماني بدافع الخوف من الفضيحة أو الحفاظ على السمعة، مثل دفع الديون أو تبرير غيابه عن العمل. أو توفير المال الذي قد يُستخدم في التعاطي. هذا النوع من "التسهيل غير المقصود" قد يطيل مدة الإدمان بدلاً من أن يساعد في إنهائه. وهو ما يُعرف بـ"التمكين السلبي"، حيث يستمر الإدمان دون مواجهة حقيقية للعواقب.

كذلك، تلجأ بعض الأسر إلى التهديد لإجبار المدمن على العلاج، وهو أسلوب قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل العناد أو الهروب. وعلى الطرف الآخر، هناك أسر تقع في خطأ التساهل الزائد وغياب الحدود، مما يعطي إشارات خاطئة بأن السلوك مقبول.

ومن الأخطاء أيضاً تأجيل طلب المساعدة المتخصصة، والاكتفاء بمحاولات فردية داخل الأسرة، رغم أن الإدمان مرض معقد يحتاج تدخلًا مهنيًا. بالإضافة إلى ذلك، تهمل بعض الأسر صحتها النفسية، مما يؤدي إلى الاحتراق العاطفي، ويؤثر في قدرتها في الدعم.

كيف ينبغي للأسرة التعامل مع المدمن عند اكتشاف الإدمان لأول مرة؟

- لحظة اكتشاف الإدمان تكون صادمة للأسرة، لكن طريقة التعامل في هذه المرحلة قد تحدد مسار العلاج. أهم ما يجب فعله هو الهدوء وتجنب ردود الفعل الانفعالية. والخطوة الأولى هي فتح حوار صادق وهادئ، يُعبّر فيه أفراد الأسرة عن قلقهم بطريقة داعمة، مثل: "نحن قلقون عليك ونريد مساعدتك"، بدلاً من الاتهام أو التهديد. والهدف هنا هو كسر حاجز الخوف وخلق مساحة آمنة للنقاش.

بعد ذلك، يجب طلب تقييم متخصص من طبيب أو أخصائي نفسي، لأن التشخيص الدقيق يحدد شدة الحالة ونوع التدخل المناسب. لا يُنصح بالاكتفاء بالاجتهادات الشخصية أو المعلومات غير الموثوقة.

في الوقت نفسه، من المهم وضع حدود واضحة منذ البداية، مثل رفض تمويل التعاطي أو التغطية على السلوك، مع التأكيد على أن الدعم متوفر بشرط السعي للعلاج.

ويجب أن تدرك الأسرة أن العلاج رحلة طويلة وليست قراراً لحظياً، وأن الدعم المستمر والتعامل الواعي هما مفتاح النجاح.

كيف يمكن إقناع الشخص المدمن بضرورة العلاج؟

- الإقناع يبدأ بفهم طبيعة مرض الإدمان والتدرج مع الشخص المدمن في وسائل المساعدة المتاحة والممكنة. من المهم أن يشعر المدمن بأن الحوار معه قائم على الاهتمام لا علي الإدانة. كما أن عرض خيارات العلاج وإشراكه في اتخاذ القرار في حال كونه قادرا على ذلك يعطيه إحساسًا بالمشاركة والتفهم والدعم، وهو ما يزيد فرص تقبله للعلاج.

كيف يتم التعامل مع الأعراض النفسية لمرحلة الانسحاب؟

- مرحلة الانسحاب هي أول مراحل العلاج وهى أحد أهم أسباب تجنب كثير من المدمنين للعلاج، حيث تظهر أعراض مثل القلق الشديد، والاكتئاب، والأرق، والتوتر، مع أعراض جسمانية متفاوتة حسب المادة المخدرة وشدة الإدمان وقد تصل إلى أفكار انتحارية في بعض الحالات الشديدة. ويتطلب التعامل معها إشراف طبي متخصص خاصة في الحالات المتوسطة والشديدة، والتي تستدعى التنويم في المصحة أو المستشفى، ويتم استخدام أدوية للتحكم في القلق والاكتئاب مع توفير الدعم النفسي المستمر في بيئة آمنة ومناسبة تساعد المدمن في تجاوز هذه المرحة وإعداده لبدء مرحلة الامتناع والتعافي. ومن المؤسف أن الفجوة العلاجية ما زالت كبيرة عالمياً، حيث لا يحصل على العلاج سوى شخص واحد فقط من كل 11 يعاني من اضطراب الإدمان.

متى يكون العلاج المنزلي مناسباً؟ ومتى يصبح المستشفى ضرورة؟

- العلاج المنزلي قد يكون مناسباً في الحالات البسيطة، ويحتاج إلى شروط في البيئة المحيطة مثل توفر دعم أسري قوي وغياب الأعراض الخطرة والقدرة على تجنب الانتكاسة والتعامل مع الرغبة الشديدة في بداية العلاج. أما في الحالات الشديدة، أو عند وجود مضاعفات نفسية أو جسدية، أو خطر الانتكاس السريع، فإن العلاج في مركز متخصص يصبح ضرورة لا غنى عنها لضمان سلامة المريض والمحيطين به وكذلك ضمان نجاح الخطة العلاجية.

ما دور العلاج الدوائي في برامج علاج الإدمان؟

- العلاج الدوائي يمثل أحد الأعمدة الأساسية في علاج الإدمان، خصوصاً في المراحل الأولى، لأنه يتعامل مع الجانب البيولوجي والفسيولوجي للمرض، أي تأثير المخدر على الدماغ والجسم.

أول وأهم أدوار العلاج الدوائي هو تخفيف أعراض الانسحاب، والتي قد تكون شديدة ومؤلمة، وفي بعض الحالات قد تكون مهددة للحياة كما في انسحاب الكحول أو بعض المهدئات. استخدام الأدوية المناسبة في هذه المرحلة يقلل المعاناة، ويمنع المضاعفات، ويزيد من فرصة إتمام العلاج بدل الانقطاع المبكر.

ثانياً، تُستخدم بعض الأدوية فيما يُعرف بالعلاج التعويضي أو الإحلالي، خاصة في حالات إدمان الأفيونات. هذه الأدوية تعمل على الارتباط بنفس مستقبلات المخدر في الدماغ، ولكن بطريقة آمنة ومضبوطة طبياً، مما يقلل من أعراض الانسحاب والرغبة الشديدة في التعاطي دون إحداث نفس النشوة.

ثالثاً، هناك أدوية تُستخدم بهدف تقليل الرغبة (Craving) أو منع تأثير المخدر في حال تعاطيه، وهو ما يساعد المريض على مقاومة الانتكاس.

كما يلعب العلاج الدوائي دوراً مهماً في علاج الاضطرابات النفسية المصاحبة، مثل الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم، وهي حالات شائعة جداً لدى المدمنين. علاج هذه الاضطرابات يقلل من احتمالية العودة إلى المخدر، لأن التعاطي في كثير من الأحيان يكون محاولة لتنظيم الحالة النفسية.

من المهم التأكيد أن العلاج الدوائي ليس بديلاً عن العلاج النفسي، بل هو مكمل له. فالأدوية تساعد على تثبيت الحالة الجسدية والنفسية، مما يمكّن المريض من الاستفادة بشكل أفضل من جلسات العلاج النفسي وإعادة التأهيل السلوكي. ويجب أن يتم العلاج الدوائي تحت إشراف طبي متخصص، لأن الاستخدام غير المنظم أو العشوائي للأدوية قد يؤدي إلى مضاعفات أو حتى نوع جديد من الاعتماد.

ما دور العلاج النفسي في برامج علاج الإدمان؟

- العلاج النفسي يُعتبر حجر الأساس في أي برنامج متكامل لعلاج الإدمان، لأنه يتعامل مع جذور المشكلة بحيث يساعد المدمن على إعادة بناء التفكير والسلوك ونمط الحياة. أول أدوار العلاج النفسي هو مساعدة المريض على فهم نفسه ومشاعره، وإدراك الأسباب التي دفعته إلى التعاطي من الأساس، هذا الفهم يُعد خطوة حاسمة لأنه يمكّنه لاحقًا من التعامل مع هذه المشاعر بطريقة صحية دون اللجوء إلى المخدر. وكذلك يعمل العلاج النفسي على تعديل الأفكار والسلوكيات المرتبطة بالإدمان. على سبيل المثال، في العلاج السلوكي المعرفي، يتم تدريب المريض على التعرف على الأفكار التلقائية التي تدفعه للتعاطي (مثل: “لا أستطيع تحمل التوتر”)، ثم استبدالها بأفكار واقعية وصحية، مع تعليمه مهارات عملية لمواجهة الضغوط مثل الاسترخاء، وإدارة الوقت، وحل المشكلات. كما يركز العلاج النفسي على إدارة الرغبة الشديدة في التعاطي (Craving)، وهي من أكبر التحديات في التعافي. حيث يتعلم المريض استراتيجيات مثل تشتيت الانتباه، وتأجيل الاستجابة، وتجنب المحفزات، مما يقلل من خطر الانتكاس بشكل كبير.

ومن الجوانب المهمة أيضاً تعزيز الدافعية للعلاج من خلال ما يُعرف بالعلاج التحفيزي، حيث يساعد المعالج المريض على اكتشاف دوافعه الداخلية للتغيير بدلاً من الاعتماد على الضغط الخارجي، مما يجعل قرار التعافي أكثر ثباتاً واستدامة.

ولا يمكن إغفال دور العلاج الجماعي ومجموعات الدعم، حيث يمنح المريض الشعور بأنه ليس وحده، ويستفيد من تجارب الآخرين، ويتعلم مهارات اجتماعية جديدة، ويعيد بناء ثقته بنفسه.

ويساهم العلاج النفسي في تأهيل المريض للعودة إلى حياته الطبيعية، من خلال تحسين مهارات التواصل، وإعادة بناء العلاقات، ووضع أهداف مستقبلية واقعية، مما يساعده على بناء حياة مستقرة خالية من الإدمان.

كيف يمكن للأسرة التعامل مع المدمن ودعمه؟

- دور الأسرة في التعامل مع المدمن يُعد من أهم العوامل التي تحدد مسار العلاج ونتيجته، بل يمكن القول إن الأسرة تمثل "بيئة التعافي الأولى". لكن هذا الدور يتطلب وعياً وتوازناً دقيقاً بين الدعم العاطفي والحزم المسؤول، لأن التعامل العشوائي قد يؤدي إلى نتائج عكسية رغم حسن النية. وكما ذكرنا من الضروري إدراك الأسرة أن الإدمان مرض وليس ضعفاً أخلاقياً، واعتماد الأسرة على الحوار الهادئ والصريح، مع وضع حدود واضحة، لأن الدعم لا يعني التهاون. والتشجيع المستمر على طلب العلاج المتخصص. ومن المهم أن تشارك الأسرة في جلسات التثقيف أو العلاج الأسري، لأن ذلك يساعدها على فهم طبيعة المرض وكيفية التعامل معه بشكل علمي مع إعادة بناء نمط حياة صحي، وإعادة بناء العلاقات الاجتماعية بشكل تدريجي. وهذا يساعد الأسرة علي مراقبة أي علامات مبكرة للانتكاس دون تحويل العلاقة إلى رقابة قاسية.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن تهتم الأسرة بنفسها، لأن التعامل مع مدمن قد يؤدي إلى إجهاد نفسي وعاطفي شديد. لذلك، من الضروري أن يحصل أفراد الأسرة على دعم نفسي عند الحاجة، وأن يضعوا حدوداً لحماية صحتهم النفسية. والأسرة الواعية لا تكتفي بمحاولة "إيقاف الإدمان"، بل تساهم في بناء إنسان متعافٍ قادر على الاستمرار في حياة صحية ومستقرة.