وليد صبري
قالت استشاري طب الأسرة والمجتمع، واستشاري رضاعة طبيعية دولي، وعضو جمعية أصدقاء الصحة د. فجر ناصر إن حليب الأم يُنظر إليه عادةً بوصفه الغذاء المثالي والمتكامل للرضيع لما يحتويه من عناصر غذائية ومناعية فريدة لا يمكن تعويضها، إلا أن هذا المفهوم، على أهميته، لا يعكس الصورة الكاملة، موضحةً أن حليب الأم يتجاوز كونه مصدراً للتغذية ليشكّل منظومة متكاملة من الأمان النفسي والتنظيم البيولوجي لكلٍ من الأم والطفل، خاصة في أوقات التوتر والظروف الاستثنائية كالحروب والأزمات.
وأضافت، في تصريحات لـ"الوطن"، أن الحالة النفسية للأم تؤثر بشكل مباشر على العملية الفسيولوجية للرضاعة، حيث يؤدي التوتر إلى ارتفاع مستوى هرمون الكورتيزول، مما قد يثبط إفراز هرمون الأوكسيتوسين المسؤول عن اندفاع الحليب، مشيرةً إلى أن الدراسات الحديثة تؤكد أن التوتر لا يمنع إنتاج الحليب بشكل كامل لكنه قد يعيق تدفقه ويجعل تجربة الرضاعة أكثر تحدياً، لافتةً في المقابل إلى أن الرضاعة الطبيعية تسهم في خفض مستويات التوتر من خلال تحفيز إفراز الأوكسيتوسين المعروف بتأثيره المهدئ وتقليل القلق وتعزيز الشعور بالطمأنينة، كما لوحظ انخفاض مستويات الكورتيزول لدى الأمهات بعد جلسات الرضاعة، مما يعزز دورها كآلية طبيعية داعمة للصحة النفسية.
وتابعت أن تأثير حليب الأم لا يقتصر على الجانب الغذائي، بل يمتد لتنظيم الجهاز العصبي للرضيع، موضحةً أنه يحتوي على مكونات حيوية مثل التربتوفان الذي يساهم في إنتاج السيروتونين المرتبط بتحسين المزاج، بالإضافة إلى الميلاتونين الذي يساعد على تنظيم النوم، كما أن وجود هرمون الكورتيزول في حليب الأم بنسب فسيولوجية مدروسة يُسهم في تنظيم استجابة الطفل للتوتر ومساعدته على التكيف مع البيئة المحيطة، مشيرةً إلى أن الدراسات الحديثة تؤكد أن هذه المكونات تسهم في بناء استجابة نفسية متوازنة لدى الطفل على المدى الطويل.
وأشارت إلى أن الرضاعة الطبيعية تمثل تجربة حسية متكاملة لا تقتصر على انتقال الحليب، بل تشمل التلامس الجسدي المباشر بين الأم وطفلها، موضحةً أن هذا التلامس يوفر بيئة من الدفء والاحتواء، ويسهم في تهدئة الجهاز العصبي للرضيع وتقليل استجابته للخوف وتعزيز شعوره بالأمان خاصة في البيئات المضطربة.
وأضافت أن الإيمان يُعد من أهم مصادر الطمأنينة النفسية، مستشهدةً بقوله تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾، موضحةً أن هذه الطمأنينة تنعكس إيجابياً على الحالة الفسيولوجية للأم فتسهم في خفض مستويات التوتر وتحفيز إفراز الهرمونات الداعمة للرضاعة، كما أشارت إلى قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾، مؤكدةً أن هذا التوجيه يجمع بين الحكمة الصحية والدعم النفسي، ويبرز أهمية الرضاعة الطبيعية في بناء أساس آمن لنمو الطفل.
وتابعت أن الأم المرضعة قد تواجه في ظل الظروف الصعبة تحديات متعددة مثل الضغوط النفسية وقلة النوم وصعوبة توفير بيئة هادئة، مؤكدةً أهمية تبني استراتيجيات داعمة تشمل الاسترخاء قبل الرضاعة وزيادة التلامس الجسدي مع الطفل والاستمرار في الرضاعة حتى مع صعوبة تدفق الحليب، بالإضافة إلى طلب الدعم من الأسرة والمحيط، لافتةً إلى أن الأدلة العلمية تؤكد أن تحسين الحالة النفسية للأم يرتبط بزيادة فرص نجاح واستمرارية الرضاعة الطبيعية.
واختتمت مؤكدةً أن حليب الأم لا يمثل مجرد غذاء، بل نظاماً متكاملاً يجمع بين الدعم البيولوجي والنفسي، ويسهم في حماية الأم والطفل معاً من خلال تقليل التوتر وتنظيم الاستجابة العصبية وتعزيز الشعور بالأمان عبر التلامس والارتباط العاطفي، مشيرةً إلى أن الرضاعة الطبيعية تكتسب أهمية مضاعفة في الظروف الضاغطة كونها وسيلة فعالة لتعزيز التوازن النفسي والجسدي وبناء أساس صحي وآمن لمستقبل الطفل، مؤكدةً أنه في زمن التوتر قد تفقد الكثير من مصادر الأمان، لكن يبقى حليب الأم أحد أقوى أشكال الحماية التي لا تتأثر بالظروف، فهو أمن وأمان يبدأ من الأم ويستقر في قلب طفلها.