وليد صبري
قالت الأكاديمية والباحثة في الطب الجزيئي وعضو جمعية السكري البحرينية د. رباب عبدالوهاب أول ما يتبادر إلى الذهن عندما نتحدث عن مرض السكري هو الأنسولين، الهرمون الذي يساعد الجسم على التحكم في مستوى السكر في الدم، كاشفة أن ما قد لا يعرفه الكثيرون هو أن الأنسولين لا يُصنع بمفرده، بل يعتمد على مجموعة من البروتينات المساعدة التي تعمل داخل خلايا البنكرياس ضمن نظام دقيق ومتكامل. ويمكن تشبيه الأمر بمصنع متطور؛ فالأنسولين هو المنتج النهائي، ولكن خلفه فريق كامل يعمل على تصنيعه وتجهيزه بالشكل الصحيح.
وأوضحت د. رباب عبدالوهاب، في تصريحات لـ"الوطن"، أن البنكرياس يحتوي على خلايا متخصصة تُسمى خلايا بيتا، وهي المسؤولة عن إنتاج الأنسولين والاستجابة للتغيرات في مستوى السكر في الدم. فعندما نتناول الطعام ويرتفع مستوى السكر، تستجيب هذه الخلايا بإفراز الأنسولين.
وأضافت أن الأنسولين لا يُنتج منذ البداية في صورته النهائية؛ إذ تصنع الخلية أولًا مادة تسمى البروإنسولين، تحتاج إلى اتخاذ شكل سليم قبل أن تتحول إلى الأنسولين الناضج. وهنا تساعد مجموعة من البروتينات البروإنسولين على اتخاذ شكله الصحيح، وتحد من تراكم الجزيئات التي لم يتم تشكيلها بصورة سليمة.
وأشارت إلى أن فريقاً بحثياً توصل، في دراسة حديثة نُشرت في يونيو 2026، إلى نتائج جديدة توضح كيفية تعاون هذه البروتينات داخل خلايا بيتا، حيث ركز الباحثون على بروتين يُعرف باسم BiP، وهو الذي يساعد البروتينات داخل الخلية على اتخاذ شكلها السليم.
وأضافت أن الدراسة كشفت أن هذا البروتين لا يعمل منفرداً، وإنما يتعاون مع بروتينات مساندة أخرى، لتوفير البيئة المناسبة لطي البروإنسولين بصورة سليمة. كما أظهرت أن التوازن والتنسيق بين هذه البروتينات قد يكونان أهم من زيادة كمية بروتين واحد منها. فعندما تعمل المنظومة بصورة متوازنة، تتحسن قدرة الخلية على تجهيز البروإنسولين، بينما قد يؤدي اختلال هذا التوازن إلى تراكم البروإنسولين غير المطوي بصورة صحيحة، مما يضع خلايا بيتا تحت ضغط إضافي.
وقالت إن أهمية هذه النتائج تكمن في ارتباطها بما يحدث في مرض السكري من النوع الثاني. ففي المراحل المبكرة، تصبح أنسجة الجسم أقل استجابة للأنسولين، وهي الحالة المعروفة باسم مقاومة الأنسولين. ويحاول البنكرياس التعويض عن ذلك بزيادة إنتاج الأنسولين، مما يضع عبئاً متزايداً على خلايا بيتا. ومع استمرار هذا الضغط، قد يساهم اضطراب تجهيز البروإنسولين، إلى جانب عوامل أخرى، في تراجع قدرة هذه الخلايا على العمل بكفاءة.
وأضافت أن الدراسة تكشف جانباً مهماً من عالم السكري؛ فخلف كل جزيء أنسولين سليم منظومة من البروتينات تعمل بصورة منسقة للمساعدة على تصنيعه وتجهيزه. وقد يساعد فهم هذه المنظومة مستقبلاً على تطوير استراتيجيات تدعم خلايا بيتا، وتحافظ على قدرتها على إنتاج الأنسولين، إلا أن النتائج ما تزال تحتاج إلى مزيد من الدراسات قبل الاستفادة منها علاجياً.
وختمت د. عبدالوهاب تصريحها قائلة: "قد يكون الأنسولين أشهر هرمون مرتبط بالسكري، لكنه ليس الوحيد في القصة. لذلك لا ينبغي أن نسأل فقط: هل ينتج البنكرياس كمية كافية من الأنسولين؟ بل أيضاً: هل يعمل الفريق البروتيني الذي يساعد على تصنيعه بالكفاءة والتوازن المطلوبين؟ وقد يكون فهم هذا الفريق الخفي خطوة نحو فهم أعمق للسكري وطرق جديدة لحماية خلايا البنكرياس مستقبلاً".