أيمن شكل - تصوير سهيل وزير
مخرج جسد تراث البحرين في أعماله الدرامية، وصنع من ذاكرة الطفولة مادة خصبة لفنه، ومن عائلته ووالديه جمهوره الحقيقي الذي لا يجامله، فإذا نجح مدحوه وإذا أخطأ صارحوه.. المخرج الذي استطاع أن يذهل عمالقة الإخراج في الوطن العربي بأعماله التي نفذها كاميرا واحدة، وفتح على الشرق الأوسط نافذة تراث البحرين، واستطاع أن يزاوج بين الفلسفة الفنية والخبرة دون دراسة، وبين حلم السينما وواقع التلفزيون، بين الماضي التراثي والحاضر المتجدد، تاركاً بصمة تروي حكاية رجل لم يكفّ عن الحلم، ولم ينسَ أبداً من أين بدأ.
تميز بالهدوء وكثرة التأمل أيام الدراسة، حتى إن زملاءه استغربوا لاحقاً نجاحه الفني، متذكرين هدوءه الذي لم يوحِ بما وصل إليه.. ابن حالة بو ماهر والمخرج الذي أذهل كبار المخرجين بأعماله.. المبدع أحمد يعقوب المقلة يتحدث عن محطات حياته الإنسانية والعائلية والمهنية ويسرد مسيرة حياته في حوار مع "الوطن" هذا نصه.
- حدثنا عن طفولتك والنشأة.
تربيت في منطقة شعبية جداً الكل يعرفها وهي حالة بو ماهر في جنوب المحرق على البحر، وعشت فيها أجمل أيام حياتي.. أيام الطفولة والذكريات والتي كان لها الأثر الواضح في أعمالي والسر الأساس في عشقي للأعمال التراثية، النابعة من تربيتي في هذه المنطقة.
- اشتملت بعض أعمالك على مرحلة الغوص، فهل عاصرت ذلك النشاط؟
في فترة الثمانينات من القرن الماضي لم يعد هناك نشاط يذكر للغوص، ولذلك لم ألحق عليه، ولكني رأيته من خلال تجربة سينمائية واقعية في تلك الفترة، حيث تم تصوير فيلم وثائقي عن الغوص في حالة بوماهر، ورأيت أثناء ذلك كل تفاصيل الغوص ومجرياته وأحداثه، فضلا عن أن منطقة الحالة كانت غنية بالتفاصيل المشبعة لذاكرتي من التراث والفن، وحملت حالة بوماهر في جعبتها كل ما يمكن تخيله من فسيفساء التراث وحتى تفاصيل الزواج التي جسدتها في أعمال درامية من زفة العروس من بيت أبيها إلى بيت زوجها، وأغاني الزواج التراثية.
وعايشت عشرات الفنانين الأوائل في المنطقة مثل الفنان الراحل محمد زويد، ولم أكن بعيداً عن الفن الشعبي، فقد كان والدي واحداً من الأعضاء الرئيسيين بهذه الفرق واصطحبني معه في كثير من الحفلات، ولذلك حين أسمع إيقاعات الصوت أو الفجري أعود بذاكرتي للماضي الجميل الذي عشته.
- ماذا عن علاقاتك مع الأصدقاء في الفريج؟
الفريج كان يضم مجموعة من الأطفال وفي كل يوم نلتقي بالقرب من قلعة بوماهر لكي نلعب كرة القدم، وفي تلك الفترة لم يكن قد تم إنشاء خفر السواحل، فكنا ننتظر انحسار مياه البحر في حالة الجزر الذي كان يسمى في ذاك الوقت "البطح"، وظهور اليابسة لنضع لوحين من الأخشاب حدوداً للملعب ونبدأ اللعب.
وأذكر من بحر الحالة أننا كنا نمشي تقريباً 300 متر لمنطقة "الخورة" ثم نقوم بالسباحة لمسافة تقريباً 50 متراً وفي منطقة متوسطة نبدأ في صيد الأسماك والقباقب، وهذه كانت طفولتنا البسيطة بين لعب الكرة والبحر، ولقد تميز أهل الحالة بحبهم للرياضة.
- هل تتذكر أحد الأصدقاء المميزين ممن لك معهم مواقف وذكريات؟
صديقي وأخي محمد المطوع وابن خالي يوسف المقلة وعيسى بوهزاع، وغيرهم كثيرون لا أستطيع حصرهم، كما أن لنا مواقف كثيرة ترتبط باللعب والصيد والسوق.
- كيف كانت علاقتك بوالدك؟
يمكنني وصف العلاقة بوالدي بأنها علاقة "مفتوحة" بدأت من التدرج في مرحلة الطفولة والأبوة وصولاً إلى الصداقة في مرحلة الشباب، فكنت أسافر مع والدي كثيراً، وحفظ لي أسراري، وعرف تفاصيل كثيرة من حياتي الشخصية التي ربما لا يُطلع الأبناء آباءهم عليها، فلم أخفِ عنه شيئاً أبداً، ولذلك تعلمت منه دروساً كثيرة في السفر، ولنا مواقف عديدة نضحك عندما نتذكرها.
كان والدي يعمل على سفن التجارة بين الكويت والبصرة والهند وحتى بومباسا وبعض المناطق الأخرى في أفريقيا، وهو ما جعل تجاربه في الحياة كبيرة استطاع أن ينقلها لنا، كما أنني استفدت من تلك الخبرة في أعمالي الدرامية، وحين كنت أبحث عن تفاصيل لبعض الأمور التراثية أجدها عنده.
ولقد حرص والدي على تثبيت الصلاة لدينا، فكان دائم الحديث عنها، حتى عندما كنا نسافر.
- متى ظهرت عندك مواهب التمثيل والإخراج؟
في مرحلة الطفولة كانت عندي مقدرة كبيرة على تقليد الشخصيات التي أراها، والمهن المختلفة مثل بائع الغاز وزري عتيج، لكن في المرحلة الثانوية تحولت شخصيتي إلى إنسان هادئ يجلس معظم الوقت يتأمل، وخفتت شقاوة الطفولة، فكنت أجلس كثيراً استرجع ذكرياتي وأتأمل فيها، وهذا ما لاحظه الأصدقاء بعد أن عملت في الإخراج، وكانوا يقولون إن الشخصية المنطوية التي رأيناها في مرحلة المراهقة لا يمكن أن يخرج منها هذا الشخص.
- لكن ألم تظهر بوادر فنية على شخصيتك في مرحلة المراهقة؟
تملكني حب الفن والتلفزيون في فترة مبكرة من المرحلة الإعدادية تقريباً، وكنت أكتب القصص وأمثلها بنفسي، واشتريت 10 شرائط كاسيت من مصر غير التي كان يعطيني إياها والدي، فكنت أقوم بتسجيل هذه القصص عليها، ثم ظهر بعد ذلك الفيديو البيتاماكس و VHS وحينها اشترى لي الوالد جهاز عرض الفيديو، انفتحت أمامي نافذة واسعة من الأفلام، وبدأ عشقي للفن من خلال هذا الجهاز السحري، ومن خلاله كتبت القصص ومثلت شخصياتها.
ثم طورت عملي، فاشتريت جهازي تسجيل صوت، واستخدمت أحدهما في تسجيل صوتي والثاني للموسيقى التصويرية.. ورغم أنها تجربة بسيطة وبدائية، إلا أنها خرجت من عشقي للتمثيل والفن.
- هل ما زلت تحتفظ بهذه القصص التي كتبتها في المرحلة الإعدادية؟
الحقيقة أنني أخجل أن يطلع أحد على هذه التجربة، إلا أن أختي الكبيرة ما زالت تحتفظ بهذه الأوراق والأشرطة، وقد جعلتها تقسم لي ألا يطلع أحد على هذه الأشياء.
- ماذا عن الإخوة في العائلة؟
نحن سبعة أشقاء منهم 4 بنات وثلاثة أولاد، وأنا الأكبر في الأولاد وتكبرني شقيقتان، وكان أخي علي الأقرب لعمري، فكنا نلعب ونخرج سوياً، وأذكر أحد المواقف الطريفة معه، في عيد الفطر، حين أعطى والدي كل واحد منا 10 دنانير لشراء حذاء العيد، فأخبرت علي بأنني سأذهب إلى محل "الغرابلي" بالمنامة لشراء حذاء، فسألني عن السعر، وأخبرته أنه يناهز العشرة دنانير، لكنه اعترض وقال لي سأشتري من محل بالمحرق لديه أحذية أرخص. حاولت إقناعه بأن الجودة عند الغرابلي أفضل، لكنه ذهب إلى متجر المحرق، واشترى نعال أرخص، وما هي إلا أول طلعة من البيت في صبيحة العيد، وانقطعت أجزاء نعال علي، فقلت له: لقد نصحتك بالجودة، لكنك اخترت الأرخص.
وأذكر أيضاً في العيد أحد الطقوس التي نمارسها دون أن نعلم من أين أتت، وأكاد أجزم بأنها كانت تحدث بجميع فرجان البحرين، فكنا نصلي صلاة العيد، ثم نتوجه إلى أحد المطاعم في السوق واسمه مطعم "النجاح" ونأكل طبقاً من المعكرونة باللحم المرشوش فوقها الفلفل الأسود.. وكأن هذا هو أحد طقوس العيد التي لا يمكن تفويتها!
- حدثنا عن المرحلة الانتقالية للعمل في الدراما.
كنت من المتفوقين منذ بداية مراحلي الدراسية، لكن حين وصلت للمرحلة الثانوية، وتغيرت شخصيتي لإنسان متأمل، أصابتني حالة غريبة من عدم الاهتمام بالدراسة وكثرة الغياب، وبعد النتيجة اكتشفت أن معدلي لا يؤهلني لإكمال تعليمي الجامعي، وكنت أحلم بدراسة لها علاقة بالفن.
وفي أحد الأيام علمت أن وزارة الإعلام سوف تبتعث طلبة لدراسة الإخراج في الكويت فتقدمت للبعثة، ووقفت أمام لجنة الاختيار المكونة من أحمد عبدالحليم وسعد أردش وسعد الجزاف، لكن لم يقتنعوا بأدائي التمثيلي، وكانت النتيجة "غير مقبول".
وتقدمت بطلب توظيف بالتلفزيون وظل هذا الطلب معلقاً لمدة سنتين، وعلى الرغم من وجود فرصة عمل في مجال آخر، إلا أنني رفضتها وانتظرت تحقيق هدفي بالعمل في الإخراج، وخلال 4 سنوات وصلت لوظيفة مساعد بالتلفزيون ثم مساعد مخرج، وحققت نتيجة إيجابية حين زاد طلب المخرجين بأن أكون مساعداً لهم.
كل ذلك بدون دراسة علمية واعتمادا على الخبرة، ولذلك قررت العودة للبحث عن فرصة، وطلبت من أحد المسؤولين في التلفزيون أن يساعدني على دراسة الإخراج، لكنه أكد أن التلفزيون لن يمنحني إجازة، وفي حال فشلت فلن أعود لهذه الوظيفة.
ولا أنسى وقفة د. هالة العمران معي، خلال مرحلة إخراج برامج متميزة للتلفزيون، ومسلسلات "غناوي بوتعب" و"البيت العود" و"فرجان لول" فكانت تشجعني وتصرف لي مكافآت، وأذكر حين سألتني: "شنو درست؟" فأخبرتها أنني لم أحصل سوى على الثانوية، فوعدتني باختيار أفضل معهد يدرس الإخراج، وقالت: "لو فيه مجال ابتعثك إلى هوليود فسوف أفعل"، لكنها للأسف.. لم تبقَ في الوزارة لحين تنفيذ وعدها.
- هناك أعمال درامية تميزت بها خلال مسيرتك الفنية وحظيت بإشادة إقليمية ودولية.
بالفعل، وأذكر كانت البحرين مشاركة في مهرجان تونس بمسلسل "فرجان لول"، وفي الوقت ذاته كنت ضمن لجنة التحكيم، وحين تم عرض المسلسل، خرجت من القاعة، وجلست بإحدى زوايا الفندق، وبعد الانتهاء من العرض، جاء إليّ المخرج المصري جمال عبدالحميد مثنياً على العمل، وهنأني بقوة وتحدث عن تفاصيل كثيرة في العرض، وحينها شعرت بأن حاجزاً كبيراً قد انكسر، فسألته عن وظيفته وأخبرني أنه معيد بمعهد السينما، فقلت له "أخيراً وصلت"..أنا أريد استكمال دراستي، فأكد لي أن أفضل مكان للدراسة هو إيطاليا، وواصل كلامه قائلاً: "الإمكانيات التي لديك كبيرة، ولو ذهبت إلى إيطاليا فستكون محاضراً وليس طالباً"، لكن حتى اليوم ما زال حلم الدراسة يراودني.
وفي أحد الأيام توجهت إلى مصر لعمل مونتاج مسلسل، وللمصادفة كان المخرج السينمائي نادر جلال يعمل في غرفة قريبة من غرفتي، وللأسف كان الصوت المرتفع يصل إلى غرفتي، فلم أتمكن من المواصلة، فطلبت من شركة الإنتاج تنسيق المواعيد فيما بيننا أو أن يخفض الصوت، فكان ردهم غريبا.. "هل تريدنا أن نطلب من "الملك" أن يخفض الصوت؟".. فسألتهم.. من الملك؟ فقالوا المخرج الكبير نادر جلال.
قررت التحدث مع نادر جلال بنفسي، فذهب إليه وقدمت له قهوة عربي، وعرفته بنفسي، لكني لم أتحدث مباشرة عن المشكلة، وغادرت إلى غرفة المونتاج، وبعد قليل دخل إلى الغرفة وقال لي: أعجبتني هذه القهوة.. أريد بعضاً منها، وجلس يشاهد ما أفعل، وسألني.. كم كاميرا تستخدم في التصوير؟، فأجبته.. كاميرا واحدة فقط.. واستغرب من حجم العمل والتفاصيل التي تتم بكاميرا واحدة.
انتهزت الفرصة مرة أخرى وأخبرته عن حلمي بالدراسة، وطلبت منه حضور تصوير أحد أعماله السينمائية لكي أتعلم.. فما كان رده إلا أن قال: أنت تريد أن تتعلم مني السينما؟.. أنا أريد أتعلم منك كيف تصور مسلسلاً كاملاً بكاميرا واحدة.
- أي عمل يعتمد على الخبرة والدراسة والموهبة، فكيف ترى هذا متحققاً في حياتك؟
بالفعل لا بد من الخبرة والموهبة والدراسة، ويضاف إليهم الخيال وحب العمل، فلو أحببت شيئاً ستفعل المستحيل لتحقيقه.
- لماذا لم يتجه أحد في الخليج إلى العمل السينمائي؟
حدثت طفرة مؤخراً في الأعمال السينمائية بدول الخليج، وإن لم تكن البحرين بصفة خاصة، وقد ركز معظم المخرجين البحرينيين على الأفلام القصيرة، وقد ظهرت أسماء لمخرجين على قدر كبير من الأهمية مثل سلمان علي والذي حصل على جائزة أفضل فيلم في أحد المهرجانات الكبيرة بالمملكة العربية السعودية.
- لماذا كان جل تركيزك في الأعمال الدرامية وخاصة التراثية؟
عُرضت علي أفلام، ولكن كنت أريد تجربة لفيلم تجاري أو لا يحمل قيمة فنية، كما أن أي منتج يطمح للربح بينما الموازنة بين حجم العمل وميزانيته قد لا تحقق طموحي كمخرج وهدف الربح للمنتج.
- تعودنا على الأعمال الدرامية الطويلة المكونة من 30 حلقة، لكن اليوم نرى مخرجين توجهوا إلى الأعمال القصيرة، فما هي رؤيتك لهذا النمط؟
بالفعل أخرجت عملاً درامياً من 15 حلقة منفصلة متصلة مؤخراً، وأكثر ما يميز الأعمال القصيرة هو تركيز الحدث وعدم "المط والتطويل" الذي قد يضطر إليه المخرج ليكمل عملاً بطول 30 حلقة، وحتى بعض الكتاب يتوقفون عند الحلقة العشرين، ويضطر إلى "المط" ليصل إلى الحلقة الثلاثين، أو البدء بالحديث عن تفاصيل كل شخصية لكي يصل إلى النهاية المستهدفة، ولذلك أحاول دائماً الدخول في صلب الموضوع مباشرة والإيقاع متصاعد وسريع.
وهناك أيضاً مسلسلات تصل إلى مئات الحلقات ولكن ذلك يعتمد على الأحداث المتتالية التي تجذب المشاهد.
- حدثنا عن عائلة أحمد المقلة المخرج المشهور.
أنا متزوج ولدي بنت "دلال" 30 عاماً وولد "يعقوب" 22 عاماً، وأعيش حياة زوجية مستقرة، ومعظم وقتي أقضيه في بيتي مع العائلة، ولولا "أم يعقوب" في حياتي ما حققت كثيراً من هذا النجاح، فهي تقدم لي الدعم من بداية الفكرة وكافة تفاصيل العمل، وتعتبر "سر من أسرار نجاحي"، واليوم يعتبر يعقوب داعماً لي في العمل ويتولى المهمة.
- بعد رحيل الوالد تظل الأم هي بركة العائلة.. حدثنا عن علاقتك بها اليوم.
بعد كل الدعاء والأمنيات التي تحلم بها لابنها، تظل فرحة أمي بنجاح أي عمل هي الجائزة الكبرى، وأشعر بأن الدنيا لا تسعها عندما تسمع الناس يتحدثون عني وعن أعمالي. ربما يجاملك الناس في بعض الأمور، لكن عائلتي وأمي هم الجمهور الحقيقي الذي لن يجامل، فإذا نجحت مدحوك، وإذا أخطأت قالوا لك الملاحظة بصراحة.