على الرغم من تحذيرات الرئيس الأميركي دونالد ترامب من اختيار مرشد لإيران "لا يوافق عليه"، انتخب مجلس الخبراء الإيراني مساء أمس الأحد مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً للبلاد خلفا لوالده علي خامنئي، الذي اغتيل بضربات أميركية إسرائيلية يوم 28 فبراير الماضي.
ففي إشارة إلى أن التيار المتشدد لا يزال ممسكاً بقوة بزمام السلطة في طهران بعد مرور أكثر من أسبوع على اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، انتخب "خامنئي ثان" أصغر ب 30 سنة من والده الراحل ليمسك القيادة الإيرانية العليا.
وفيما رحب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بهذا الانتخاب، معتبراً أن "هذا الاختيار القيم أتى تجسيداً لإرادة إيران في تعزيز الوحدة الوطنية"، امتنع ترامب عن التعليق.
فحين سئل عن هذا الاختيار، قال الرئيس الأميركي في تصريح لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل" اليوم الاثنين: "سنرى ما سيحصل"، رافضاً الإفصاح أكثر عن خطواته اللاحقة.
"لست سعيداً"
كما أعرب عن عدم رضاه في تصريحات أخرى، إذ قال لشبكة "فوكس نيوز": "لست سعيداً بشأن اختيار مجتبى مرشدا جديدا".
في المقابل، ردّدت هتافات مناهضة لمجتبى خامنئي في طهران بعد انتخابه مرشدا، حسب ما أظهر مقطع فيديو نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
إذ وثق هذا المقطع الذي تبلغ مدته 17 ثانية والذي صُوّر ليلا من نافذة أحد المباني، سماع أصوات نسائية تهتف "الموت لمجتبى" بينما تتردد أناشيد دينية من بعيد، وفق ما نقلت وكالة "فرانس برس".
هذا ورأى محللون أن اختيار مجتبى، وهو رجل دين من غلاة المحافظين قُتلت زوجته وأمه وأفراد آخرون من عائلته في الغارات الأميركية الإسرائيلية، "يبعث برسالة لا لبس فيها وهي أن القيادة الإيرانية ترفض أي احتمال للتنازل من أجل الحفاظ على النظام ولا ترى أي طريق للمضي قدما سوى المواجهة والانتقام والصمود"، حسب رويترز.
فيما اعتبرت مصادر مطلعة أن مجتبى سيواجه ضغوطا خارجية جراء تصاعد الصراع، وداخلية من مواطنين أصابهم الاستياء، لكن من المتوقع أن يتحرك سريعاً لترسيخ سلطته.
كما من المرجح أن يعني ذلك توسيع سلطة الحرس الثوري وتشديد الرقابة الداخلية وقمع شامل لسحق المعارضة.
وفي السياق، قال مسؤول إقليمي مقرب من طهران لرويترز "سيفتقد العالم عهد والده... لن يكون أمام مجتبى خيار سوى إظهار قبضة حديدية... حتى لو انتهت الحرب، سيكون هناك قمع داخلي شديد".
بدوره، رأى بول سالم الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط أن مجتبى ليس الشخصية المؤهلة لتمهيد الطريق أمام إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة أو الاضطلاع بدور دبلوماسي محوري.
كما أضاف قائلاً: "لا أحد من الوجوه الصاعدة حاليا سيكون قادرا على تقديم تنازلات.. فهذا خيار متشدد اتُخذ في لحظة صعبة".
أتى ذلك، بعدما أعلن مجلس خبراء القيادة الإيراني أمس انتخاب مجتبى البالغ من العمر 56 عاماً مرشدا للبلاد خلفا لوالده الذي قتل في بداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي على طهران، عن عمر ناهز الـ 86.
بينما تعهدت إسرائيل بمواصلة حربها بلا هوادة، متوعدة بقتل كل من يخلف خامنئي، بل حتى أولئك المشاركين في اختيار المرشد الأعلى الجديد.
يعود تاريخ "الحكم الديني" في إيران إلى ثورة عام 1979 التي أطاحت بالشاه، وأفسحت المجال لروح الله الخميني، قائد الثورة، بإدخال نظام حكم جديدا يقوم على مبدأ ولاية الفقيه. ويعني هذا المبدأ أنه إلى حين عودة الإمام الثاني عشر للشيعة، الذي اختفى في القرن التاسع، يجب أن تمارس السلطة على الأرض من قبل رجل دين كبير.
كما يعني هذا أن من يتولى منصب المرشد الأعلى، المخول دستوريا بالسلطة العليا التي توجه الرئيس المنتخب والبرلمان، يجب أن يكون من كبار رجال الدين.
كذلك يتمتع الزعيم الأعلى بالقول الفصل في جميع شؤون الدولة.
إلى ذلك، نص الدستور على وجوب اختيار زعيم جديد في غضون ثلاثة أشهر.
فيما تقع مسؤولية اختيار الزعيم الجديد على عاتق مجلس الخبراء، وهو هيئة تضم نحو 90 من كبار رجال الدين الذين ينتخبون كل ثماني سنوات.
يذكر أن مجتبى يحظى بشعبية واسعة بين الحرس الثوري وفي مكتب والده الراحل، على الرغم من أن النظام الإيراني الحاكم يرفض مبدأ توريث الخلافة.
إلا أن مصيره يلفه الغموض لاسيما بعد التهديدات الإسرائيلية الأخيرة بتصفية أي خليفة لخامنئي. فضلاً عن تلميح الرئيس الأميركي أكثر من مرة مؤخراً إلى أن اختيار قائد جديد لإيران يعود له. فقد قال ترامب في تصريحات أمس، لشبكة إيه.بي.سي نيوز "إذا لم يحصل على موافقتنا، فلن يطول بقاؤه في منصبه".
كما سخر ترامب في وقت سابق من الرجل البالغ من العمر 56 عاما، واصفا إياه بأنه "شخصية ضعيفة". وقال في مقابلة مع "أكسيوس" الأسبوع الماضي "نريد شخصا يجلب الانسجام والسلام إلى إيران".