أدت الحرب الأخيرة إلى واحدة من أكبر الاضطرابات في إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، في ظل التصعيد الإيراني واستهداف حركة الملاحة البحرية والبنية التحتية الحيوية في المنطقة.
وقبيل اندلاع الحرب، كان نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وقرابة النسبة ذاتها من صادرات الغاز الطبيعي المسال تمر عبر مضيق هرمز، إلا أن الحركة فيه تراجعت بشكل حاد خلال الأسابيع الماضية.
ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، لإعادة توجيه الإمدادات عبر مسارات بديلة، فإن حجم التحديات يؤكد حساسية الأمن الإقليمي وأهمية استقرار المنطقة للاقتصاد العالمي.
كما أن الاعتداءات التي طالت منشآت الطاقة ومنها منشأة رأس لفان في قطر، تبرز طبيعة التهديدات التي تستهدف ليس فقط دول الخليج، بل أمن الطاقة العالمي بأسره.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على توقف الإمدادات، بل تمتد إلى تأثيرات متسلسلة في الأسواق، بدءاً من ارتفاع تكاليف التأمين على ناقلات النفط، وصولاً إلى التعقيد في إعادة تشغيل سلاسل التوريد.
وتشير تجارب سابقة إلى أن تعافي قطاع الطاقة من مثل هذه الاضطرابات قد يستغرق وقتاً طويلاً حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
وفي هذا السياق، نشرت مجلة "فورين أفيرز" مقالاً تحليلاً يسلط الضوء على مدى إلحاح حاجة الولايات المتحدة إلى تحديث نهجها تجاه دول الخليج فيما يتعلق بمجال الطاقة.
وبحسب المقال الذي كتبته، كارين يونغ، وهي باحثة أولى في مركز سياسات الطاقة العالمية التابع لكلية الشؤون العامة والدولية بجامعة كولومبيا الأمريكية، فإن التطورات الأخيرة تؤكد أن دول الخليج لم تعد مجرد منتجين للطاقة، بل شركاء رئيسيون في منظومة أمن الطاقة العالمي.
وعملت دول مجلس التعاون خلال السنوات الماضية على تنويع اقتصاداتها وتطوير قدراتها في مختلف مراحل سلسلة القيمة للطاقة، بما في ذلك التكرير والتخزين والاستثمار في المشاريع الدولية، إلى جانب التوسع في الطاقة المتجددة.
كما قطعت دول الخليج خطوات متقدمة في بناء اقتصادات متنوعة، حيث شهدت القطاعات غير النفطية نمواً ملحوظاً، شمل الصناعات البتروكيماوية والسياحة والتكنولوجيا والخدمات المالية، ما يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى لتعزيز الاستدامة الاقتصادية، بحسب المقال.
وتشير هذه التحولات إلى أن دول الخليج باتت لاعباً محورياً في مستقبل الطاقة العالمي، ليس فقط من حيث الإنتاج، بل من خلال دورها الاستثماري والتقني، وشراكاتها الدولية المتنامية.
ومن المتوقع أن تواصل هذه الدول تسريع خططها لتعزيز موقعها في سلاسل الإمداد العالمية للطاقة، بما يواكب التحولات في الطلب العالمي، خصوصاً مع تزايد الحاجة إلى الكهرباء والتقنيات الحديثة.
في المقابل، تبرز الحاجة، وفق مقال يونغ، إلى تطوير مقاربة أكثر توازناً في العلاقة مع الولايات المتحدة، تقوم على الشراكة الاستراتيجية المتكافئة، وتدرك الدور الحيوي الذي تلعبه دول الخليج في استقرار أسواق الطاقة العالمية.
فالتحديات الراهنة تؤكد أن أمن الطاقة لا يمكن فصله عن أمن المنطقة، وأن أي تهديدات وفي مقدمتها السلوك الإيراني العدائي، تنعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة فرصة لإعادة صياغة العلاقات الدولية على أسس أكثر واقعية، تعزز من مكانة دول الخليج كشركاء فاعلين في صياغة مستقبل الطاقة العالمي، وتدعم استقرار المنطقة في مواجهة التحديات.