سلطت صحيفة "الغارديان" البريطانية الضوء على الوضع الداخلي في إيران، حيث يحاول النظام تسويق ما يصفه بـ "الصمود" في مواجهة الحرب، لكن الحقيقة، طبقاً للصحيفة، تبدو أكثر قتامة.

ومع اقتراب مرحلة ما بعد الحرب، تجد طهران نفسها أمام أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة تهدد بتحويل ما تبقى من الاستقرار الداخلي إلى حالة من الاحتقان الدائم.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الاقتصاد الإيراني انكمش بنحو 10%، فيما تجاوزت الخسائر المباشرة وغير المباشرة 270 مليار دولار نتيجة الحرب والعقوبات والحصار البحري الذي أصاب قطاعات حيوية كالبنية التحتية والطاقة والإسكان والصناعة.

ورغم المزاعم الرسمية عن "النصر"، فإن المواطن الإيراني يواجه واقعاً مختلفاً يتمثل في موجة تضخم غير مسبوقة، وارتفاع حاد في أسعار الغذاء واللحوم، وانقطاع متكرر للتيار الكهربائي، وتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات تاريخية.

ووفق بيانات إيرانية رسمية، بلغ تضخم أسعار المواد الغذائية 130% خلال شهر مايو، فيما ارتفعت أسعار اللحوم والدواجن بنسبة 176%.

ويحذر خبراء من تدهور الأوضاع الصحية نتيجة اضطرار ملايين الإيرانيين إلى تقليص استهلاك منتجات أساسية مثل الألبان بسبب ارتفاع الأسعار، ما يهدد بانتشار سوء التغذية وأمراض مرتبطة بنقص العناصر الغذائية.

كما فاقمت القيود المفروضة على الإنترنت والحرب من أزمة البطالة، إذ تشير تقديرات أكاديمية إلى فقدان ما لا يقل عن مليوني وظيفة بشكل مباشر أو غير مباشر، وسط غياب قنوات سياسية ونقابية قادرة على استيعاب الغضب الشعبي المتزايد.

ويرى مراقبون أن حالة "التماسك الوطني" التي ظهرت خلال الحرب قد تكون مؤقتة، إذ سرعان ما تعود التناقضات الداخلية إلى الواجهة مع انتهاء التهديد الخارجي. وتبقى الأسباب التي أشعلت الاحتجاجات الدموية في مطلع العام قائمة، بل ازدادت حدة بفعل الحرب والتدهور المعيشي.

وفي الوقت الذي يعاني فيه الإيرانيون من ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات، تواصل السلطات تشديد قبضتها الأمنية وحملة القمع.

فقد شهدت الأشهر الأخيرة موجة جديدة من الإعدامات بحق سجناء سياسيين، إضافة إلى مصادرة أصول معارضين وتشديد قوانين التجسس وملاحقة الأصوات المنتقدة.

ويقول منتقدون إن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في العقوبات أو الحرب، بل في هيمنة الحرس الثوري ومراكز النفوذ على مفاصل الاقتصاد، ما يعطل أي إصلاحات حقيقية ويجعل القرارات الاقتصادية خاضعة للاعتبارات السياسية والأمنية أكثر من خضوعها لمعايير الكفاءة والتنمية.

وتتزايد المخاوف داخل إيران من أن يتحول الدمار الذي خلفته الحرب إلى واقع دائم إذا استمرت العقوبات والعزلة الدولية، وفشلت الحكومة في جذب الاستثمارات والتكنولوجيا ورؤوس الأموال اللازمة لإعادة الإعمار.