قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، السبت، إنه أعاد وساماً رسمياً إلى بولندا بعد يوم واحد من إعلان الرئيس البولندي تجريده منه؛ بسبب خلاف بشأن أحداث الحرب العالمية الثانية، كما أعلن عدد من كبار المسؤولين الأوكرانيين إعادة أوسمة رسمية حصلوا عليها من وارسو.
وقال وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها، ورئيس مكتب الرئيس الأوكراني كيريلو بودانوف، وسفير أوكرانيا لدى بولندا فاسيل بودنار، في منشورات منفصلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إنهم سيعيدون الأوسمة التي سبق أن حصلوا عليها من الدولة البولندية.
كما تخلى الرئيس الأوكراني الأسبق ليونيد كوتشما، الذي قاد البلاد لأكثر من عقد حتى عام 2005، عن وسام "النسر الأبيض" البولندي الذي مُنح له عام 1997، وفقاً لما أوردته وكالة "إنترفاكس-أوكرانيا" نقلاً عن ممثل مؤسسته.
وكان الرئيس البولندي كارول نافروتسكي قد قال، الجمعة، إنه ألغى الميدالية الممنوحة لزيلينسكي في 2023 بعد أن أعاد الرئيس الأوكراني تسمية وحدة عسكرية تكريماً للمتمردين الأوكرانيين في حقبة الحرب العالمية الثانية المتهمين بارتكاب مذابح ضد البولنديين.
ويهدد الخلاف بشأن دور "جيش المتمردين الأوكرانيين" بتعميق الخلاف الدبلوماسي بين الشريكين الإستراتيجيين المقربين في وقت تحشد فيه كييف حلفاءها للضغط على روسيا لإنهاء حربها على أوكرانيا.
وكتب زيلينسكي على "إكس": "كنا نعتقد أن وسام النسر الأبيض، الذي مُنح في 2023، كان موجهاً للشعب الأوكراني وجيشنا. هذا ما قيل في ذلك الوقت"، مضيفاً: "اليوم، أعدت الوسام إلى رئيس بولندا".
ونشر زيلينسكي صورة الوسام، وهو يوضع في صندوق، ويرسَل إلى مكتب الرئيس البولندي.
جذور الأزمة
وبدأ الخلاف، الذي يهدد بتدهور العلاقات بين الحليفين إلى أدنى مستوياتها، الشهر الماضي عندما أطلق زيلينسكي اسم "جيش التمرد الأوكراني" على إحدى الوحدات العسكرية.
وتعتبر كييف مقاتلي هذا التشكيل القومي رموزاً للنضال من أجل الاستقلال، نظراً إلى حرب العصابات التي خاضوها خلال الحرب العالمية الثانية، وفي السنوات التي أعقبتها مباشرة.
ويظل "جيش التمرد الأوكراني" مصدراً دائماً للتوتر مع بولندا؛ بسبب عمليات القتل التي ارتكبها في منطقة فولينيا بين عامي 1943 و1945، والتي قُتل خلالها ما يُقدَّر بنحو 100 ألف بولندي، بينهم نساء وأطفال.
سحب أعلى وسام بولندي من زيلينسكي
وعلى خلفية هذه الخطوة، أعلن نافروتسكي، الجمعة، سحب أرفع وسام في بولندا، وهو "وسام النسر الأبيض"، من زيلينسكي. وقال في مقطع فيديو نشره عبر منصة "إكس": "إن قرار أوكرانيا تمجيد جيش التمرد الأوكراني غير مفهوم، ويبعث على خيبة أمل عميقة".
وأضاف: "القرار لا يقوّض التاريخ فحسب، بل يهز أيضاً الثقة التي بُنيت على مدى سنوات، ولا سيما خلال الأشهر الأخيرة".
توتر متزايد بين الحليفين
ويأتي هذا التوتر المتصاعد في وقت بدأت فيه مؤشرات التصدع تظهر على التضامن البولندي مع أوكرانيا، بعد أكثر من أربع سنوات على الحرب مع روسيا، التي جعلت من الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي مركزاً رئيسياً للمساعدات العسكرية الغربية الموجهة إلى كييف.
ورداً على قرار نافروتسكي، قال سيبيها إن المستفيد الوحيد من هذه الخطوة هو الكرملين، معرباً عن أسفه؛ لأن "العواطف تغلبت على وارسو".
ووصف بودانوف القرار بأنه "هدية للمعتدي في موسكو"، بينما قال بودنار إن الخطوة تُفهم في زمن الحرب على أنها رسالة موجهة ضد الشعب الأوكراني.
الخلاف يهدد مؤتمر إعادة الإعمار
ويأتي هذا الخلاف قبل أيام فقط من مشاركة متوقعة لزيلينسكي في مؤتمر تستضيفه بولندا بشأن إعادة إعمار أوكرانيا.
ومن المقرر أن يناقش ممثلو الشركات والجهات المانحة والمسؤولون خطط إعادة إعمار البلاد بعد الحرب، غير أن الخلاف بشأن الأوسمة قد يلقي بظلاله على أعمال المؤتمر.
خلاف تاريخي لم يُحسم
وكان البرلمان البولندي قد وصف المجازر التي وقعت بين عامي 1943، و1945 في مناطق تقع اليوم في معظمها داخل أوكرانيا بأنها "إبادة جماعية".
وفي حين تعترف كييف بوقوع تلك الفظائع، ووافقت على السماح باستخراج رفات الضحايا، فإنها دعت أيضاً وارسو إلى عدم تسييس القضية، والبحث عن سبل لتسويتها بصورة سلمية.
واستفاد نافروتسكي من تنامي المشاعر السلبية تجاه أوكرانيا خلال حملته الانتخابية الناجحة العام الماضي، عندما عارض استمرار الدعم المقدّم للأوكرانيين المقيمين في بولندا، بحسب "بلومبرغ".
وأكد، الجمعة، أن قراره لا يستهدف الشعب الأوكراني، وأن سياسة بولندا الأمنية تجاه كييف ودعمها لجارتها في الحرب مع روسيا لم يتغيرا.
توسك يدعو إلى التهدئة
ومن جانبه، دعا رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، المؤيد للاتحاد الأوروبي وأحد أبرز خصوم نافروتسكي السياسيين، إلى تهدئة التوتر، علماً بأن قرار سحب "وسام النسر الأبيض" من زيلينسكي لن يصبح نافذاً إلا بعد موافقته عليه، بحسب "بلومبرغ".
وقال توسك في منشور عبر "إكس"، الجمعة:"الصراع بين بولندا وأوكرانيا يُسعد بوتين ويصدم حلفاءنا".
وأضاف: "من واجب الرئيسين زيلينسكي ونافروتسكي تهدئة التوتر لا تأجيجه. خط المواجهة يقع في مكان آخر".