دخلت الحكومة العراقية مرحلة جديدة في حملة مكافحة الفساد، بعد أن كشفت اعترافات وكيل وزارة النفط السابق لشؤون التصفية، عدنان الجميلي، عن شبكة واسعة من المتهمين، الأمر الذي أدى إلى تنفيذ سلسلة اعتقالات طالت مسؤولين وأعضاء في مجلس النواب رُفعت عنهم الحصانة، في واحدة من أكبر القضايا التي يشهدها العراق خلال السنوات الأخيرة.

وأكد مصدر رفيع لوكالة الأنباء العراقية (واع) أن الاعتقالات جاءت استناداً إلى الاعترافات التي أدلى بها الجميلي، مشيراً إلى أن التحقيقات ما تزال مستمرة، مع توقعات باتساع دائرة الملاحقات خلال الفترة المقبلة.

اعترافات تقود إلى مسؤولين ونواب

بحسب المصدر، فإن الاعترافات التي قدمها وكيل وزارة النفط السابق تضمنت أسماء مسؤولين وشخصيات سياسية وبرلمانية، ما دفع السلطات القضائية إلى إصدار أوامر باعتقال عدد منهم، بعد استكمال الإجراءات القانونية اللازمة، بما في ذلك رفع الحصانة عن بعض أعضاء مجلس النواب.

وأكد المصدر أن رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي شدد على مواصلة ملاحقة جميع المتورطين في قضايا الفساد دون استثناء، واستعادة الأموال العامة التي تعرضت للهدر.

ضبط أموال وعقارات وأسلحة

وأعلن مجلس القضاء الأعلى أن التحقيقات الأولية بشأن عدنان الجميلي أسفرت عن ضبط أصول وأموال ضخمة مرتبطة بالقضية، شملت نحو 10 ملايين دولار أمريكي، وأكثر من 3 مليارات دينار عراقي، إضافة إلى نحو 40 عقاراً موزعة بين بغداد وصلاح الدين وأربيل.

كما تمكنت السلطات من ضبط نحو كيلوغرام ونصف الكيلوغرام من الذهب، فضلاً عن كميات من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، ضمن الإجراءات التي نفذت بحق الجميلي والأشخاص المرتبطين بالقضية.

وأكد القضاء أن التحقيقات لا تزال مستمرة للكشف عن بقية المتورطين والأموال المرتبطة بالقضية.

ملاحقة زوجة وشقيقة الجميلي

وفي تطور لافت، أصدر القضاء العراقي أوامر قبض بحق زوجة وشقيقة عدنان الجميلي، بعد اتهامهما بإحراق مبالغ مالية ضخمة داخل تنور طيني في مزرعة بمحافظة صلاح الدين قبل وصول القوات الأمنية.

وتحدثت تقارير إعلامية عن إحراق أكثر من خمسة ملايين دولار ومليارات الدنانير العراقية، إلا أن مصادر مطلعة أكدت أن السلطات لم تعلن رسمياً حتى الآن صحة تلك الروايات، بينما تواصل الأجهزة المختصة التحقيق في جميع الملابسات.

"أنزه موظف" يتحول إلى متهم

ولم تتوقف حملة الاعتقالات عند وزارة النفط، إذ ألقت السلطات القبض أيضاً على مدير عام شركة كهرباء الوسط، علاء سمير الجبوري، الذي كان قد حصل عام 2023 على لقب "أنزه موظف" في العراق.

وجاء توقيفه بعد اتهامه بحيازة عشرات مليارات الدنانير العراقية ضمن تحقيقات تتعلق بقضايا فساد مالي، ما أثار جدلاً واسعاً داخل الأوساط العراقية، خاصة بعد تداول صوره سابقاً أثناء تكريمه.

الحكومة تختبر جديتها في مكافحة الفساد

ويرى محللون أن القضية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الحكومة العراقية على الانتقال من إطلاق الشعارات إلى ملاحقة الشخصيات النافذة المتهمة بالفساد.

وأشار أستاذ الإعلام في الجامعة المستنصرية، غالب الدعمي، إلى أن التعاون الحالي بين الحكومة والقضاء وهيئة النزاهة يعد غير مسبوق منذ عام 2003، معتبراً أن وجود تنسيق مؤسساتي يمثل خطوة إيجابية لتعزيز المحاسبة.

في المقابل، حذر من تداول معلومات غير مؤكدة وصور مولدة بالذكاء الاصطناعي قد تشوه مسار التحقيقات.

اختبار لمستقبل مكافحة الفساد

تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الحكومة العراقية ضغوطاً شعبية كبيرة لاسترداد الأموال المنهوبة ومحاسبة المسؤولين عن هدر المال العام.

ويرى مراقبون أن قضية عدنان الجميلي قد تتحول إلى نقطة تحول في مسار مكافحة الفساد بالعراق، إذا نجحت السلطات في توسيع التحقيقات والوصول إلى جميع المتورطين، بغض النظر عن مناصبهم أو انتماءاتهم السياسية.