منذ أكثر من 2500 عام، كان القادة العسكريون يسترشدون بمقولة المفكر العسكري الصيني الشهير سون تزو: "اعرف عدوك". لكن أكبر أخطاء إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحرب مع إيران قد يكون فشلها المستمر في فهم أولويات طهران ودوافعها، ومدى استعداد النظام الإيراني لتحمل الضربات من أجل تحقيق أهدافه، وفقاً لتحليل نشرته مجلة «ذا أتلانتيك».
وترى المجلة أن إيران لا تتحرك دائماً وفق الحسابات الأمريكية، وأن واشنطن افترضت في كثير من الأحيان أن تصعيدها العسكري سيجبر طهران على الرد بطريقة متوقعة، بينما أظهرت إيران استعداداً لاتخاذ خطوات مفاجئة.
هجوم الأردن يكشف فجوة التقديرات
كان قرار إيران إطلاق صواريخ باليستية على القوات الأمريكية في الأردن مثالاً واضحاً على هذا الخلل في الحسابات، بحسب «ذا أتلانتيك».
فقد جاء الهجوم بعد فترة قصيرة من تعليق الولايات المتحدة حملة استمرت 13 يوماً من الضربات ضد منشآت ودفاعات إيرانية، وهو ما وصفته القيادة المركزية الأمريكية بأنه "هجوم مفاجئ".
لكن طهران اعتبرت الهجوم دفاعاً عن النفس، رداً على ما وصفته بتوسيع إدارة ترامب للحرب.
وفي الوقت نفسه تقريباً، نفذت الولايات المتحدة والسعودية ضربات مشتركة ضد ميليشيات عراقية مدعومة من إيران، في أول إعلان سعودي رسمي عن مشاركة عسكرية مباشرة في العمليات خلال هذا الصراع.
وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية العميد تركي المالكي إن تلك الميليشيات استهدفت منشآت نفطية سعودية، مؤكداً أن المملكة تحتفظ بحق الرد "في الوقت والمكان المناسبين".
اتفاق وقف القتال تحول إلى أزمة تفسير
تشير المجلة إلى أن سوء فهم نوايا الطرف الآخر لم يبدأ مع هجوم الأردن، بل تكرر طوال الحرب التي شهدت تقلبات متواصلة بين محاولات التفاوض والتصعيد العسكري.
وكان مذكرة التفاهم التي وقعتها واشنطن وطهران منتصف الشهر الماضي مثالاً بارزاً على ذلك.
فبينما اعتقدت الولايات المتحدة أن الاتفاق يضمن حرية الملاحة التجارية في مضيق هرمز لمدة 60 يوماً دون رسوم، رأت إيران أن الاتفاق يحافظ على حقها في إدارة حركة المرور عبر الممر المائي.
وبحسب مصادر نقلت عنها «ذا أتلانتيك»، اعتقد بعض المسؤولين الإيرانيين أن واشنطن صاغت الاتفاق بطريقة غامضة عمداً، بهدف استغلال أي خلاف لاحق كذريعة لاستئناف الضربات.
في المقابل، حاولت الولايات المتحدة استخدام الحوافز الاقتصادية مثل تخفيف العقوبات والاستثمارات لإقناع نظام إيراني كان منشغلاً بأزمة داخلية أعقبت اغتيال المرشد الإيراني السابق.
واشنطن توقعت انهيار النظام.. لكنه صمد
قبل اندلاع الحرب، كانت الولايات المتحدة تعتقد أن إيران ضعيفة وأن النظام يواجه خطر الانهيار بعد احتجاجات واسعة، بحسب التحليل.
أما القيادة الإيرانية فكانت ترى أن واشنطن لن تتراجع إلا إذا قدمت طهران تنازلات كاملة، ما جعل الطرفين يستعدان لمواجهة عسكرية.
وتضيف «ذا أتلانتيك» أن إدارة ترامب بدأت الحرب بينما كانت المحادثات لا تزال مستمرة، وكانت تراهن على أن مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في بداية الصراع قد يؤدي إلى انهيار سريع للنظام.
لكن بعد خمسة أشهر، لا يزال النظام الإيراني قائماً، ويبدو مستعداً لتحمل مزيد من الضغوط الأمريكية.
ونقلت المجلة عن فالي نصر، أستاذ العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز، قوله إن:
"حسابات أمريكا تقوم على أن التصعيد سيؤدي إلى الاستسلام، بينما حسابات إيران تقوم على أن التصعيد سيؤدي إلى الردع."
ترامب يهدد بالتصعيد وإيران تتحدى
قال ترامب في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» إنه يريد "توجيه ضربة قاسية جداً" لإيران.
ورغم ذلك، يرى محللون أن السؤال الأساسي الذي لم تتم الإجابة عنه هو: ماذا يحدث إذا فشل التصعيد في تحقيق أهدافه؟
وقال داني سيتريونوفيتش، المسؤول السابق في الاستخبارات الإسرائيلية المتخصص في الشأن الإيراني، إن التصعيد "وسيلة لتحقيق هدف، لكن المشكلة أننا لا نعرف ما هو الهدف النهائي".
ترامب بين الحرب والمفاوضات
ترى المجلة أن الرئيس ترامب نفسه يبدو متردداً بين خيارين: مواصلة الضغط العسكري أو العودة إلى المفاوضات.
فقد سعى ترامب في أكثر من مناسبة إلى الابتعاد عن الحرب، لكنه ناقش في اجتماعات مع مستشاريه إمكانية زيادة الضربات ضد إيران.
وبحسب مسؤول كبير في البيت الأبيض نقلت عنه «ذا أتلانتيك»، فإن خطط التصعيد لا تزال مطروحة.
كما أن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض شهدت نقاشات حول توسيع العمليات ضد إيران، رغم أن ترامب لم يقدم التزاماً واضحاً بتصعيد جديد.
إيران تغير أسلوب المواجهة
يشير التحليل إلى أن إيران بدأت تعتمد بشكل أكبر على قدراتها العسكرية المباشرة، بدلاً من الاعتماد فقط على حلفائها الإقليميين.
وتعتقد طهران أنها قادرة على الصمود أمام الضربات الأمريكية، وأن واشنطن تواجه قيوداً بسبب الأضرار الاقتصادية الناتجة عن اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة.
وقال سيتريونوفيتش إن إيران مستعدة "للتضحية بنفسها وبشعبها من أجل مستقبل النظام".
وأضاف أن القيادة الإيرانية تعتقد أنها قادرة في النهاية على تشكيل الظروف الميدانية لصالحها.
ضغوط داخلية على ترامب لإنهاء الحرب
في الولايات المتحدة، بدأ عدد من حلفاء ترامب داخل التيار المحافظ، بينهم لورا إنغراهام وستيف بانون، بالدعوة إلى إنهاء الحرب سريعاً، معتبرين أن الصراع قد يضر بقاعدة ترامب السياسية قبل انتخابات التجديد النصفي.
كما يخشى بعض الجمهوريين من أن يؤدي استمرار الحرب إلى ارتفاع أسعار الوقود والإضرار بفرصهم الانتخابية.
لكن حلفاء واشنطن في الخليج يرون أن استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز أمر غير مقبول.
خيارات محدودة أمام واشنطن
بحسب «ذا أتلانتيك»، تتأرجح إدارة ترامب بين ثلاثة مسارات: الضغط العسكري، الدبلوماسية، والعقوبات الاقتصادية.
وقد فرضت واشنطن جولة جديدة من العقوبات تستهدف شركات وناقلات مرتبطة بالتجارة البحرية الإيرانية.
لكن التصعيد يحمل كلفة اقتصادية أيضاً، إذ ارتفع سعر خام برنت بنحو 8% بعد تصريحات ترامب الحادة، متجاوزاً مؤقتاً حاجز 91 دولاراً للبرميل.
لا نهاية واضحة للحرب
ترى المجلة أن المشكلة الأساسية تكمن في استمرار الطرفين في سوء قراءة أهداف الآخر.
فالولايات المتحدة تعتقد أن الضغط سيجبر إيران على التراجع، بينما تعتقد إيران أن الصمود سيجبر واشنطن على التفاوض.
وفي ظل غياب رؤية واضحة للنهاية، يرى مسؤولون دفاعيون أمريكيون أن الصراع قد يستمر حتى عام 2027، بينما تشير إيران إلى استعدادها لمواجهة أطول.