تواصل شركة ترامب ميديا آند تكنولوجي غروب، التابعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بيع المستثمرين خدمة تتيح لهم الوصول إلى منشورات رئيسية على منصة «تروث سوشيال» قبل الآخرين بفارق زمني ضئيل، رغم تزايد التساؤلات القانونية والأخلاقية حول الخدمة، بالتزامن مع عودة التدقيق في الوضع المالي للشركة ومدى استمرار أهمية منصتها.
وبحسب واشنطن بوست، أعلنت الشركة الإثنين أنها سجلت أكثر من 10 عملاء خلال الأسبوع الأول من إطلاق منتجها الجديد «تروث API»، مشيرة إلى أن العملاء يدفعون عموماً ما بين 60 ألفاً و100 ألف دولار شهرياً.
وقال الرئيس التنفيذي المؤقت كيفن ماكغورن إن الشركة تحقق حالياً إيرادات محدودة من هذه الاتفاقيات، لكنه يعتقد أن الخدمة يمكن أن تتحول إلى مصدر «مهم ومستدام» للنمو.
دعوى قضائية بسبب الوصول المبكر
واجهت الخدمة ضربة قانونية الأربعاء، عندما رفعت مؤسستان إعلاميتان دعوى قضائية ضد ترامب ومسؤولين آخرين في الإدارة بسبب «تروث API».
وقالت مؤسستا ذا إنترسبت ومؤسسة حرية الصحافة إن الخدمة غير دستورية لأنها تمنح العملاء الذين يدفعون أموالاً وصولاً مميزاً إلى إعلانات رئاسية عامة يمكن أن تؤثر في الأسواق.
وترى الدعوى أن الصحفيين وأفراد الجمهور لديهم، بموجب التعديل الأول للدستور الأمريكي، حق في الوصول إلى إعلانات الرئيس.
ونقلت «واشنطن بوست» عن سيث ستيرن، رئيس المناصرة في مؤسسة حرية الصحافة، قوله إن بيع رئيس أمريكي وصولاً ذا أولوية إلى الأخبار التي يصدرها بنفسه لمصلحة شركة خاصة يسيطر عليها يمثل ممارسة فاسدة وغير دستورية بصورة صارخة.
لكن هذه النظرية القانونية لم تُختبر قضائياً من قبل.
مخاوف من قوانين التداول الداخلي
إلى جانب القضية الدستورية، حذر خبراء قانونيون، بينهم مسؤولة سابقة في هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، من أن الخدمة قد تتعارض مع قوانين الأوراق المالية التي تحظر استخدام معلومات غير متاحة للجمهور من السلطة التنفيذية لتحقيق مكاسب مالية.
وقالت رينيه جونز، أستاذة القانون في كلية بوسطن، والتي عملت سابقاً في هيئة الأوراق المالية والبورصات خلال إدارة جو بايدن، إن المنتج يبدو وكأنه قد يخالف قانون «وقف التداول بناءً على المعرفة في الكونغرس» الصادر عام 2012، والذي يحظر على الرئيس ونائبه وأعضاء الكونغرس استخدام المعلومات غير العامة التي يحصلون عليها بحكم مناصبهم لتحقيق مكاسب مالية.
لكن من غير المرجح أن ترفع هيئة الأوراق المالية والبورصات، التي يرأسها بول إس. أتكينز المعين من ترامب، أو وزارة العدل الأمريكية قضية تداول بناءً على معلومات داخلية. أما إمكانية نجاح دعوى خاصة في هذا الشأن فما زالت غير مختبرة.
الشركة: المنشورات متاحة للجميع
تدافع «ترامب ميديا» عن الخدمة، وتقول إن العملاء لا يحصلون على معلومات سرية، وإنما تصلهم المنشورات العامة بعد ظهورها على منصة «تروث سوشيال» بفارق بضعة أجزاء من الألف من الثانية.
وقال ماكغورن إن «تروث API» يوفر تدفقاً قابلاً للقراءة آلياً للمنشورات المتاحة للعامة من أبرز الحسابات على المنصة خلال أجزاء من الثانية، مؤكداً أن العملاء يحصلون على المنشورات المنشورة والمتاحة للجمهور بشكل أسرع بقليل.
وقال متحدث باسم الشركة إن منشورات ترامب تنتشر بالفعل عبر منصات إعلامية أخرى تقدم أيضاً خدمات API باشتراكات، واعتبر الدعوى محاولة لفرض الرقابة على الرئيس والإضرار بشركة ترامب ميديا.
ويتركز العملاء الذين اشتركوا حتى الآن بشكل أساسي بين شركات التداول عالي التردد، فيما تسعى الشركة أيضاً إلى جذب المؤسسات الإخبارية وشركات الحوسبة السحابية العملاقة ومطوري الذكاء الاصطناعي وأسواق التنبؤ.
خدمة مربحة لكن سوقها محدود
يرى جاي ريتر، أستاذ المالية ومدير مبادرة الاكتتاب العام في جامعة فلوريدا، أن «تروث API» مربحة جداً في الوقت الحالي، لأن إنتاجها لا يكلف الشركة تقريباً شيئاً.
لكنه حذر من أن حجم السوق المحتمل للخدمة قد يكون محدوداً، لأن قيمة الحصول على المعلومات قبل المنافسين تتراجع كلما اشترى المزيد من المتداولين الخدمة نفسها.
وأوضح أن ميزة السرعة قد تصبح بلا قيمة تقريباً عندما يحصل جميع المنافسين على المعلومات في الوقت ذاته.
خسائر مالية وتراجع في حركة «تروث سوشيال»
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه «ترامب ميديا» تحديات مالية وضغوطاً بشأن مستقبل «تروث سوشيال».
وقال ريتر إن الشركة «تحرق الأموال» منذ الاندماج الذي استخدمته لدخول سوق الأسهم عام 2024.
وبحسب نتائجها الفصلية، سجلت «ترامب ميديا آند تكنولوجي غروب» خسارة تجاوزت 238 مليون دولار خلال الربع الثاني، مقابل إيرادات تقل عن مليوني دولار. وكانت الخسائر الكبيرة مرتبطة إلى حد كبير بخسائر البيتكوين ونفقات قانونية ناجمة عن نزاع متعلق بعملية الاندماج.
وفي الوقت نفسه، تراجع سهم الشركة بنحو 40% تقريباً منذ بداية العام، بينما انخفضت حركة الزيارات إلى منصة «تروث سوشيال» بشكل ملحوظ.
وبحسب تقديرات شركة «سيميلارويب»، تراجع إجمالي عدد زوار الموقع شهرياً في يوليو بنسبة 36% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
ورغم ذلك، ارتفعت إيرادات الشركة الفصلية بنسبة 89% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مدفوعة جزئياً بمنصة البث والإعلانات على «تروث سوشيال».
منشورات ترامب تحرك الأسواق
اكتسبت قضية «تروث API» أهمية أكبر بسبب الدور الذي تلعبه منشورات ترامب في الأسواق.
ويستخدم الرئيس الأمريكي «تروث سوشيال» كمنصة رئيسية للتواصل مع الجمهور، وقد ينشر عليها أكثر من 100 منشور في بعض الأيام، فيما يقترب عدد متابعيه من 13 مليوناً.
كما استخدم المنصة لإعلان مواقف رئيسية بشأن الحرب مع إيران والرسوم الجمركية والاحتياطي الفيدرالي، وغالباً ما تؤثر منشوراته في أسعار الأسهم والنفط.
وتثير هذه العلاقة مخاوف بشأن تضارب المصالح، خصوصاً أن عائلة ترامب هي المساهم الأكبر في شركة «ترامب ميديا آند تكنولوجي غروب».
وتبلغ قيمة حصة ترامب في الشركة نحو مليار دولار استناداً إلى سعر السهم عند إغلاق التداول الخميس، فيما تحتفظ أسهمه بها في صندوق ائتماني قابل للإلغاء يديره نجله دونالد ترامب جونيور. وكانت قيمة حصة ترامب في عام 2024 تقدر بنحو 4 مليارات دولار.
مطالبات بالتحقيق
وطالب عدد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين هيئة الأوراق المالية والبورصات بالتحقيق في «تروث API»، ومن بينهم السيناتورة إليزابيث وارن والسيناتور آدم شيف والنائبان ريتشي توريس وأنجي كريغ، لتحديد ما إذا كانت الخدمة تنتهك قوانين الأوراق المالية الفيدرالية.
كما فتح النائب جيمي راسكين تحقيقاً منفصلاً، وطالب «ترامب ميديا» بتقديم سجلات الاتصالات بين مسؤولي الشركة ومسؤولي الحكومة بشأن الخدمة، إضافة إلى معلومات عن حسابات «تروث سوشيال» المتاحة عبر الـAPI والعملاء المشتركين وتوقعات الإيرادات والأسعار والمواد التسويقية وغيرها.
ووصف راسكين في رسالة إلى ماكغورن ما اعتبره حلقة وصل بين البيت الأبيض و«وول ستريت» وشركة ترامب بأنها تمثل جوهر التداول بناءً على معلومات داخلية.
قضية قد تختبر حدود الدستور
وترى رونيل أندرسن جونز، أستاذة القانون في جامعة يوتا، أن الدعوى التي رفعتها المؤسستان الإعلاميتان قد تختبر نظريات قانونية جديدة أمام القضاء.
وتستند حجة المؤسستين بشأن حق الجمهور والصحفيين في الوصول إلى منشورات الرئيس إلى أحكام قضائية حديثة وجدت أن المسؤولين الحكوميين يمكن مقاضاتهم عندما يمنعون أو يحذفون تعليقات أثناء حديثهم باسم الحكومة.
وترى جونز أن القضية تهدف إلى فرض نقاش عام أوسع حول الفساد والتعديل الأول للدستور.
وبذلك، تتحول خدمة «تروث API» من مجرد منتج تجاري جديد لشركة ترامب إلى قضية تتقاطع فيها المصالح التجارية للرئيس مع صلاحياته العامة، وقوانين الأوراق المالية وحقوق الوصول إلى المعلومات الحكومية، في وقت تواجه فيه «ترامب ميديا» في الوقت نفسه خسائر مالية وتراجعاً في حركة منصتها الرئيسية.