تتزايد المخاوف في أوروبا بشأن التوترات الأخيرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي «الناتو»، وسط تقييمات متباينة حول نوايا موسكو واحتمال انتقال التصعيد إلى مواجهة مباشرة مع دول الحلف.

وبحسب ما أوردته «بلومبرغ»، يرى مسؤولون أوروبيون أنه لا توجد في الوقت الراهن أدلة تشير إلى أن روسيا تستعد لشن هجوم تقليدي على دول «الناتو» أو دول البلطيق.

لكن هذه التطمينات تثير لدى بعض المراقبين ذكريات الأشهر التي سبقت الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا في فبراير 2022، عندما لم يكن كثيرون، حتى داخل أوكرانيا، مقتنعين بأن هجوماً واسعاً بات وشيكاً، وسط اعتقاد بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ربما كان يستخدم التهديد العسكري للضغط أو المناورة.

رحلة مدير «سي آي إيه» تثير التساؤلات

ويأتي هذا النقاش في وقت أثارت فيه الزيارة السرية لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه» جون راتكليف إلى موسكو تساؤلات بشأن المعلومات التي تمتلكها واشنطن حول نوايا روسيا.

وتشير القراءة المطروحة إلى أن الزيارة قد تعكس وجود مخاوف أمريكية تتجاوز ما يتم الإعلان عنه علناً، خصوصاً في ظل تقارير استخباراتية سابقة حذرت من احتمال تصعيد روسيا هجماتها الهجينة وزيادة الضغوط والاستفزازات على الجبهة الشرقية لحلف «الناتو».

وتشمل الحرب الهجينة، إلى جانب النشاطات العسكرية التقليدية، عمليات إلكترونية وتخريبية وحملات تضليل وضغوطاً وعمليات استفزازية يمكن أن تهدف إلى اختبار قدرة الحلف على الرد دون الوصول إلى حرب شاملة.

تشابه مع أجواء ما قبل حرب أوكرانيا

ويعيد هذا الوضع إلى الأذهان الأشهر التي سبقت الغزو الروسي لأوكرانيا، عندما كانت الولايات المتحدة تحذر بصورة متكررة من أن موسكو تستعد لعمل عسكري واسع، في حين ظل جزء من أوروبا متردداً في تصديق أن روسيا ستقدم فعلاً على الغزو.

وبحسب ما نقلته تقارير إعلامية غربية عن مسؤول دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى، فإن أوروبا لم تكن تريد تصديق أن روسيا ستغزو أوكرانيا بالفعل، حتى مع استمرار التحذيرات الأمريكية من أن الهجوم قادم.

واليوم، يبدو أن بعض المواقف الأوروبية تعكس قدراً مشابهاً من الحذر تجاه التحذيرات من احتمال تصعيد روسي جديد.

لماذا قد تقلل أوروبا من حجم الخطر؟

وقد تكون هناك أسباب متعددة وراء هذا الموقف الأوروبي، أبرزها عدم الرغبة في إثارة حالة من الذعر بين السكان أو خلق توقعات باندلاع حرب واسعة في القارة.

كما أن التصريحات العلنية للمسؤولين لا تعكس بالضرورة كامل الاستعدادات العسكرية خلف الكواليس، إذ يمكن للدول الأوروبية أن تستعد لسيناريوهات تصعيدية في الوقت الذي تؤكد فيه علناً عدم وجود مؤشرات على هجوم وشيك.

وفي السنوات الأخيرة، رفعت دول أوروبية عدة مستوى استعداداتها العسكرية، خصوصاً في الجناح الشرقي للناتو، على خلفية الحرب الروسية في أوكرانيا والمخاوف من احتمال امتداد التهديد إلى دول أخرى.

هل تختلف الصورة هذه المرة؟

في المقابل، يبقى احتمال أن تكون التقييمات الأوروبية صحيحة قائماً، وأن روسيا لا تخطط فعلاً لشن هجوم تقليدي على «الناتو» أو دول البلطيق، وأن التوتر الحالي لن يتحول إلى مواجهة مباشرة.

لكن المؤشرات الحقيقية لن تتضح إلا خلال الأشهر المقبلة، مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوتر بين موسكو والعواصم الغربية.

وبينما تؤكد أوروبا عدم وجود دليل على هجوم روسي وشيك، فإن التحركات الاستخباراتية والعسكرية الأخيرة، وعلى رأسها زيارة راتكليف إلى موسكو، تجعل السؤال حول ما تعرفه واشنطن فعلياً عن نوايا موسكو مفتوحاً.