أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، الخميس، اتخاذ إجراءات تستهدف شبكات إيران المالية الدولية وهياكلها المصرفية الموازية، ضمن عملية «المنبوذ الاقتصادي» (Operation Economic Outcast)، بهدف تعطيل جهود طهران لاختراق النظام المالي الدولي والحد من قدرتها على تمويل قواتها العسكرية والجماعات المسلحة المرتبطة بها.

وقالت الوزارة إن الإجراءات تستهدف مؤسسات مالية، بينها بنك عراقي تتهمه واشنطن بتسهيل وصول إيران إلى الدولار الأمريكي ومساعدتها على الالتفاف على العقوبات، إلى جانب بنوك إيرانية تعمل في مناطق التجارة الحرة وشركات صرافة ووسطاء ماليين. وأضافت أن هذه الشبكات استخدمت شركات واجهة ومتخصصين في الصرافة لنقل مئات الملايين من الدولارات عبر الشرق الأوسط وآسيا.

وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الضغط على الاقتصاد الإيراني يتصاعد، مؤكداً أن الوزارة ستواصل تحركاتها حتى تجفيف الموارد المالية للنظام وقطع مصادر التمويل التي تدعم آلته العسكرية.

عقوبات على بنك كوبي مرتبط بمؤسسة إيرانية

وبالتزامن مع الإجراءات، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية إدراج بنك «بانكو إنترناسيونال دي كوميرسيو» (BICSA)، ومقره كوبا، على قائمة العقوبات، استناداً إلى الأمر التنفيذي رقم 14404، بسبب عمله في قطاع الخدمات المالية للاقتصاد الكوبي.

وذكرت وزارة الخزانة أن البنك قدم خدمات إلى «بنك كارآفرين» الإيراني الخاضع للعقوبات منذ عام 2022 على الأقل.

وأوضحت أن هذه الإجراءات، إلى جانب العقوبات الإضافية على شبكات التمويل الموازي الإيرانية، تستهدف قطع بعض القنوات المالية المتبقية التي يستخدمها النظام لدعم اقتصاده وتمويل قواته العسكرية، كما تكشف عن استخدام هياكل خارجية معقدة وشركات واجهة للالتفاف على العقوبات.

وتستند إجراءات وزارة الخزانة إلى الأمر التنفيذي رقم 13902، الذي يستهدف قطاعات محددة من الاقتصاد الإيراني، بينها القطاعان المالي والنفطي.

عملية «المنبوذ الاقتصادي» لعزل النظام الإيراني

أُعلنت عملية «المنبوذ الاقتصادي» في 24 أغسطس 2026، ووصفها بيسنت بأنها «يوم الإنزال الاقتصادي». وتهدف العملية إلى قطع مصادر التمويل المتبقية التي يعتمد عليها النظام الإيراني، من خلال تحديد الشبكات والوسطاء والقنوات المالية التي تستخدمها طهران لتهريب النفط والالتفاف على العقوبات وتمويل الإرهاب.

وتعمل وزارة الخزانة بالتعاون مع جهات حكومية أمريكية وشركاء في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ودول الخليج وغيرها، لاستهداف مصادر الإيرادات غير المشروعة وآليات نقل الأموال المستخدمة للتهرب من العقوبات.

وحذرت الوزارة من أن أي جهة تسهّل غسل الأموال أو الالتفاف على العقوبات لمصلحة إيران قد تُحرم من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي، مشيرة إلى توسيع نطاق التعرض للعقوبات الثانوية وتسريع وتيرة إنفاذ العقوبات.

وأضافت أن إيران، في ظل العقوبات الأمريكية الشاملة المفروضة عليها، تعتمد على شبكات مصرفية موازية تعمل عبر دول متعددة لغسل الأموال وشراء الأسلحة والوصول إلى علاقات المراسلة المصرفية بالدولار الأمريكي وتمويل الجماعات المسلحة المرتبطة بها في المنطقة.

بنك عراقي متهم بتوفير الدولار لطهران

استهدفت وزارة الخزانة «بنك التنمية الدولي للاستثمار والتمويل» (IDB)، ومقره العراق، متهمة إياه بتقديم خدمات تسهيل مالي لإيران وتوفير إمكانية الوصول إلى الدولار الأمريكي.

وقالت الوزارة إن البنك أساء استخدام إمكانية وصوله إلى مزاد التحويلات بالدولار الأمريكي، الذي أُلغي لاحقاً، كما يحتفظ بعلاقات مع جهات حكومية إيرانية وجماعات مسلحة متحالفة مع طهران في العراق.

وأضافت أن شركات إيرانية أسست البنك في الأصل لدعم الاقتصاد الإيراني وتوفير الدولار لطهران. وأشارت إلى أن بنك «ملي» الإيراني، الخاضع للعقوبات الأمريكية والذي كان يقع بجوار بنك التنمية الدولي في العراق، أغلق نتيجة العقوبات ونقل رأسماله إلى البنك العراقي.

وبحسب الوزارة، يستخدم بنك التنمية الدولي رأس المال الإيراني في أنشطته، ثم يحوّل الأرباح إلى إيران بالدولار الأمريكي شهرياً. كما قالت إن القيادة الحالية للبنك تسلمت ملكيته من ممول عراقي إيراني مزدوج الجنسية يعمل لمصلحة «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني، وإن الممول يواصل استخدام علاقاته العائلية للتأثير في البنك.

وأُدرج البنك على قائمة العقوبات بموجب الأمر التنفيذي رقم 13902، بسبب نشاطه في القطاع المالي للاقتصاد الإيراني.

استهداف بنوك إيرانية تعمل في الخارج

أوضحت الوزارة أن الحكومة الإيرانية سمحت لبعض البنوك بالعمل في مناطق التجارة الحرة بصفة مؤسسات مصرفية «خارجية»، بعد حصولها على موافقة البنك المركزي الإيراني والمجلس الأعلى للأمن القومي، بهدف إجراء عمليات بالعملات الأجنبية تسهّل الالتفاف على العقوبات.

وشملت العقوبات «جازيره إنترناشيونال بنك كومباني»، المرتبط ببنك «ملت» الإيراني، و«تشابهار إنترناشيونال بنك أوفرسيز كومباني»، المرتبط ببنك «شهر». وقالت الوزارة إن البنكين يعملان ضمن القطاع المالي للاقتصاد الإيراني، ولذلك أُدرجا بموجب الأمر التنفيذي رقم 13902.

استهداف وسيط نفطي وشركات مرتبطة به

استهدفت العقوبات أيضاً الإيراني سيد روح الله رضوي، الذي وصفته وزارة الخزانة بأنه أحد الوسطاء الرئيسيين الذين يعتمد عليهم النظام الإيراني في بيع النفط وإعادة عائداته إلى البلاد.

وذكرت الوزارة أن رضوي، عمل مع سيد نعمة الله بدر الدين الموسوي، الذي فرضت عليه واشنطن عقوبات في 15 أبريل 2026، ووصفته بأنه ممول لحزب الله ووسيط لصالح «فيلق القدس».

وأضافت أن رضوي كان مسؤولاً، قبل الحصار الأمريكي الذي منع صادرات النفط الإيرانية، عن شحن ملايين البراميل شهرياً إلى الخارج نيابة عن شركة النفط الوطنية الإيرانية وشركتها التابعة «نافتيران إنترتريد».

وقالت الوزارة إن رضوي استخدم شبكته لنقل عائدات بيع النفط عبر منظومة مصرفية سرية تضم شركات واجهة وناقلين للأموال النقدية والذهب. ووفقاً للوزارة، تمر الأموال عبر هونغ كونغ إلى دول بالمنطقة، حيث تُحوّل إلى ذهب ونقد قبل تهريبها إلى إيران والجماعات المسلحة المرتبطة بها حول العالم على متن رحلات شركة «ماهان إير».

وأُدرج رضوي على قائمة العقوبات بسبب نشاطه في قطاع النفط الإيراني. كما استهدفت العقوبات شركتي «تجارت غستر أطلس بارسيان كيش» و«فرزانغان إنرجي بارس»، اللتين قال البيان إن رضوي يديرهما، مشيراً إلى أن الشركة الثانية تطور مصفاة لمكثفات الغاز في محافظة بوشهر الإيرانية.

استهداف شركات الصرافة والوسطاء الماليين

شملت الإجراءات شركة «فاراب سرُوغ قشم» (FSAQ)، المرتبطة ببنك «شهر» الإيراني، والتي تتهمها الوزارة بالاعتماد على خبراء صرافة لمعالجة معاملات ضرورية لعمليات شركات إيرانية رئيسية لبيع النفط ووسطائه، بينها شركة النفط الوطنية الإيرانية وشركة «تريليانس للبتروكيماويات» وشركة «سبهر إنرجي جهان نما بارس» الخاضعة لسيطرة المؤسسة العسكرية.

وقالت الوزارة إن موظفي الشركة ينسقون معاملات مالية عبر شبكة «رهبر»، باستخدام شركات واجهة في هونغ كونغ. وأعلنت إدراج سبعة موظفين على قائمة العقوبات، هم: جيلا محمدي، وميلاد كاتيبي، وأمير ثابتي، ونازانين بورجي، وفاطمة وسيقي مراجي، وأزاده عبدالعليبور، وفرزاد اللهيار.

كما شملت العقوبات شركة «إليتسفير تريدينغ» المسجلة في هونغ كونغ، التي قالت الوزارة إنها استُخدمت لنقل الأموال عبر شبكة الوسطاء وشركات الواجهة دعماً للتهرب الإيراني من العقوبات.

واستهدفت الوزارة كذلك شركة «سيد عباس حسيني بارسا وشركاؤه قشم» للصرافة، التي يملكها ويديرها سيد عباس حسيني بارسا وخالد محيس نجاد، واتهمتها بمساعدة أنشطة مالية مرتبطة ببنوك إيرانية خاضعة للعقوبات، بالتعاون مع صادق باوي، الذي وصفته بأنه وسيط لـ«فيلق القدس» ومتورط في غسل الأموال والمساعدة في شراء الأسلحة لإيران.

وقالت الوزارة إن باوي يملك شركة «باوي للتجارة العامة» وشركة «باوي وشركاؤه للصرافة»، وإن شركة التجارة العامة سبق أن خضعت للعقوبات بسبب مساعدتها في تنسيق مدفوعات بعشرات الملايين من الدولارات لشركات واجهة مرتبطة بقطاع البتروكيماويات الإيراني.

كما أدرجت واشنطن شركتي «سهيل وسروش نجف زاده وشركاؤهما» للصرافة و«أبولحسن جلالي وشركاؤه» للصرافة، متهمة إياهما بمعالجة معاملات بمئات الملايين وعشرات الملايين من الدولارات على التوالي، لصالح مؤسسات مالية إيرانية وشبكات مصرفية موازية وجهات خاضعة للعقوبات.

تداعيات العقوبات والتحذير من التعامل مع الجهات المدرجة

بموجب الإجراءات، تُجمّد جميع ممتلكات الأشخاص والجهات المدرجة ومصالحهم في الممتلكات الموجودة داخل الولايات المتحدة أو في حيازة أشخاص أمريكيين أو تحت سيطرتهم، مع وجوب الإبلاغ عنها إلى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC).

كما تشمل القيود الكيانات التي يملكها شخص أو أكثر من الأشخاص المحظورين بنسبة 50% أو أكثر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، منفردين أو مجتمعين. وتحظر اللوائح، ما لم يصدر ترخيص عام أو خاص أو ينطبق استثناء، المعاملات التي يجريها أشخاص أمريكيون أو تتم داخل الولايات المتحدة أو عبرها وتشمل ممتلكات الجهات المحظورة.

وحذرت الوزارة من أن انتهاك العقوبات الأمريكية قد يؤدي إلى عقوبات مدنية أو جنائية بحق أشخاص أمريكيين وأجانب، وأن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية يمكنه فرض عقوبات مدنية حتى في حالات المسؤولية الصارمة.

وأضافت أن الأشخاص غير الأمريكيين يُحظر عليهم التسبب في انتهاك أشخاص أمريكيين للعقوبات، عن علم أو من دونه، أو التآمر على ذلك، كما يُحظر عليهم الانخراط في أنشطة للالتفاف على العقوبات. وقد تتعرض المؤسسات المالية الأجنبية أيضاً لعقوبات ثانوية أو قيود على حساباتها المراسلة في الولايات المتحدة إذا أجرت أو سهّلت معاملات كبيرة لصالح جهات مدرجة.