سماهر سيف اليزل

شهدت الأعمال الخيرية في السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً مع دخول التقنيات الرقمية والتطبيقات الذكية التي سهّلت على المتبرعين الوصول إلى أبواب الخير في أي وقت ومن أي مكان. ومع حلول المواسم المباركة كـشهر رمضان، برزت مبادرات إلكترونية وتطبيقات تتيح التبرع للصدقات وسقيا الماء في الحرمين الشريفين أو في مناطق مختلفة من العالم بضغطة زر، من خلال منصات الجمعيات الخيرية الموثوقة. هذا التحول الرقمي أسهم في توسيع دائرة العطاء، وجعل العمل الخيري أكثر سهولة وانتشاراً، مع بقاء أهمية التأكد من موثوقية الجهات المنفذة.

وقال الباحث الشرعي قصي سلامة إن الصدقة تعد باباً عظيماً من أبواب الأجور التي ندب الله تعالى عباده إليها، لما لها من أثر كبير في تكافل المجتمع ونشر الرحمة بين الناس، مستشهداً بقول الله تعالى:

«مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّـهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ».

وأوضح أن العلماء بحثوا كثيراً في مسألة أفضل أنواع الصدقات، مشيراً إلى أن من أهم الضوابط التي ذكرها أهل العلم أن أفضل الصدقة ما كان متناسباً مع حاجة الوقت والناس، ولذلك قد تختلف الأفضلية من مكان إلى مكان ومن زمان إلى آخر بحسب الحاجة والظروف. وأضاف أن من أكثر الأسئلة التي ترد في هذا الباب ما يتعلق بالصدقة عن الميت، مبيناً أن أفضلها ما كان من الصدقات الجارية التي يستمر نفعها وأجرها، مستشهداً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، ولذلك يحرص كثير من الناس على إقامة مشاريع خيرية مستدامة كحفر الآبار أو سقيا الماء أو بناء المساجد.

وأشار سلامة إلى أن التطور التقني في السنوات الأخيرة فتح آفاقاً جديدة أمام العمل الخيري، حيث أصبحت الصدقة اليوم تصل إلى مستحقيها عبر التطبيقات الذكية والمنصات الإلكترونية التابعة للجمعيات الخيرية، الأمر الذي يسّر على الناس التبرع في أي وقت ومن أي مكان دون عناء البحث أو التنقل.

وبيّن أن من أبرز هذه المبادرات ما يتعلق بمشاريع سقيا الماء في الحرمين الشريفين أو في أماكن مختلفة من العالم، حيث تتيح بعض الجمعيات الخيرية للمتبرع المشاركة في سقيا الماء أو توزيع العبوات أو دعم المشاريع الخيرية في مكة المكرمة أو المدينة المنورة بضغطة زر، مع توثيق العملية وإرسال تقارير أو صور للمشروع المنفذ.

ولفت إلى أن الصدقة في الأماكن الفاضلة لها مزية من حيث تعظيم الأجر، لأن العمل الصالح إذا اجتمع فيه فضل الزمان أو المكان كان أعظم أجراً، موضحاً أن العمل الصالح في مكة المكرمة أو في المواسم المباركة كرمضان يعد من الأعمال التي يرجى فيها مضاعفة الثواب، وإن كان مقدار هذه المضاعفة لا يعلمه إلا الله تعالى.

وأوضح أن الحديث المتداول بأن الحسنة في مكة بمائة ألف حسنة قد ضعّفه عدد من أهل العلم، ومنهم الإمام الذهبي وغيره، إلا أن فضل المكان نفسه ثابت، ولذلك يحرص كثير من المسلمين على أداء الأعمال الصالحة فيه.وأشار إلى أنه في الآونة الأخيرة انتشرت إعلانات لبعض الجمعيات أو الجهات التي تنفذ صدقات في الحرم، مبيناً أنه لا حرج في التعامل معها إذا كانت جهات موثوقة وتعمل وفق الأنظمة والقوانين المعمول بها في الدول، لأن الأصل في الصدقة أنها باب من أبواب الخير التي ينبغي تسهيلها على الناس مع مراعاة الضوابط الشرعية والتنظيمية.

وأكد أن التقنية الحديثة إذا استُخدمت في خدمة الأعمال الخيرية فإنها تسهم في توسيع نطاق العطاء، وتقرّب الناس من فعل الخير، وتسهل المشاركة في مشاريع إنسانية وخيرية كانت في السابق تتطلب جهداً وتنظيماً أكبر.

وختم سلامة حديثه بالتأكيد على أن الأهم في الصدقة هو الإخلاص لله تعالى، وأن يحرص المسلم على أن تكون صدقته في موضعها الصحيح ومن خلال جهات موثوقة، حتى يجمع بين نية الخير وصحة العمل، سائلاً الله تعالى أن يتقبل من الجميع صالح الأعمال