تجاوزت في العمر السبعين عاماً.. أسأل الله حسن الخاتمة.. وكلما تقدمت بنا السنين نتذكر ونتحسر على ذلك الزمن الجميل الذي فقدناه بعد أن عشناه صغاراً منذ أكثر من ستين عاماً، والذي لم يتبقَّ لنا منه إلاّ الذكريات التي أصبحت تدقّ عقولنا ونفوسنا حيناً بعد حين.

مازلت أذكر الوالدة -رحمها الله- عندما ترسلني لبيت إحدى الجارات وتقول لي: «اذهب لبيت أم محمد وقل لها: أمي تسلم عليج وتقول لج تبغي راسين بصل».. كانت الحياة بسيطة.. الجار يطلب من جاره دون حرج، والجارة تطلب من جارتها دون خوف.. كان الفريج أسرة واحدة كبيرة.. الكل يساعد الآخر بما يستطيع دون منّة.. وما هي إلّا أيام حتى تعود الوالدة لتبعث لتلك الجارة نصف درزن من بيض دجاجاتها التي تربيها في البيت.

هكذا كانت الحياة آنذاك.. بساطة ما بعدها بساطة، وتعاون الكل مع الكل.. كانت صحون الأرز والسمك والكباب والخنفروش تتهادي بين المنازل، ولا يأتي وقت الغداء إلّا وامتلأت السفرة بأنواع من صحون الجيران.. «واترس بطنك يا يوعان».. ومازلت أذكر كيف أن صيادي السمك وأصحاب الحظور يوزعون الكثير من أسماكهم على الأسر الفقيرة من أهل الفريج طمعاً في الثواب من الله سبحانه وتعالى.

أما إذا كان أحد أرباب الأسر يريد أن يبني له ولأسرته «برستي» أو «كُبر» أو «عريش»، فإن رجال وشباب الفريج يهبون في «فزعة» لمساعدة ذلك الشخص ويبنون له مسكنه دون مقابل سوى ما يتكرم به عليهم من الحلوى والرهش وفناجين قهوة الضحى.. أما إذا تعرض أحدهم لضائقة مالية أو تراكمت عليه الديون، فإن الجميع يحاول مساعدته ويطلبون من الدائنين الصبر عليه حتى تنفرج أزمته.

وإذا حدث أن مات أحد رجال الفريج وانتقل إلى الرفيق الأعلى، فإن الجميع وخاصة الميسورين لا ينسون أرملته وعيالها الذين أصبحوا يتامى بعد فقدهم لوالدهم، فهم يتفقدون أحوالها ويمدونها بما يستطيعون خاصة في فترة العدّة، وتأتي نساء الفريج لزيارتها ومواساتها والتخفيف من أحزانها.

هكذا كانت الحياة قبل نصف قرن.. بساطة وتعاون.. فلماذا تغير الحال بعد الحال، وأصبح الشخص لا يعرف جاره، وربما تكون شقته في مقابل شقة جاره، لكنه لا يعرف اسمه ولا يزوره ولا يسأل عنه.

عجباً لهذا الزمن الأغبر الذي صرنا نعيش فيه..!!