شكراً جلالة الملك المعظم للأمر السامي بجعل هذا العام يحمل اسم «عيسى الكبير»، فـ«الشيخ عيسى بن علي آل خليفة» لم يكن حاكماً عادياً تمرّ عليه كتب التاريخ ذَاكِرةً إنجازاته التي تمّت في عهده ثم تنتقل لمَن بعده.
هذا الرجل تقف عنده وتترجّل وتتمعّن في أفعاله لترى الفارق وتعرف حجم الأثر الذي تركه لمن بعده.
هذا الرجل يفرض عليك التفكّر والتمعّن في عقليته وطريقة تفكيره لتعرف معنى أن تستشرف المستقبل وتُعدّ له العُدّة وتملك الجُرأة لتحدّي الحاضر ووضع الماضي موضع التمحيص، فما يخدمك ضعه نصب عينيك وما يضرّك اطوِه واصفح عنه وامضِ قُدماً.
هذا الرجل تصدّى لتحديات جِسام دفع في مواجهتها ثمناً غالياً، إذ تمسّك بمصلحة بلده في مواجهة أقوى دولة عظمى في حينها، فقال لها «لا.. حتى لو قطعتموني قطعاً»، وقال لها «هذا الموضوع لا يُفتح حتى مماتي»، وقال للمعتمد البريطاني حين حاول فرض بعض القرارات عليه «أي تغيير لابد أن يوافق عليه شعب البحرين».
استند في قوة دفاعه عن مصالح وطنه، إنّه حاكمٌ أتى «ببيعة «شعبية أقرّ بها الإنجليز أنفسهم في تقاريرهم السرية، إذ كتبوا «شعب البحرين هم من اختاروا الشيخ عيسى» والوثائق موجودة.
هذا الرجل قاد حراكاً وطنياً أسّس فيه أول مجلس للشورى عام 1910، لكن الإنجليز عملوا على تخريبه، ثم قاد الحراك الوطني مرة ثانية عام 1923 في عريضة تُطالب بأول مجلس تشريعي منتخب، وهو الذي اعترض على التصرّفات البريطانية غير الشرعية في التدخل في شؤونها الداخلية والتي لا تتفق مع ما وقّعه معهم من تعهّدات، فنقل مطالبهم إلى بريطانيا لكن الإنجليز رفضوها.
هذا الرجل قال «كل عربي في البحرين هو منا وليس أجنبياً».
هذا الرجل قال «لن تكون البحرين منطلقاً لأي عمل تخريبي ضد أيٍّ من الدول المجاورة».
هذا الرجل قال للإنجليز «ليس لي أن أتخلى عن شبر من وطني».
تلك مواقف تُسطّر وتُرفع شواهد على فخر البحرين وعزتها وتتباهى الشعوب بها.
ثم أضف وأنت تتابع تاريخه، أنه جعل البحرين درّة الدّرر بعد أن تركها وهي أول دولة في المنطقة في التعليم والصحة والبلدية والنُظم الإدارية والمالية والقضاء وتخصّصاته، التجاري، والمدني، والشرعي، وأول بريد، وأول آلة طباعة.
هذا الرجل ترك البحرين وحالها كان الأجمل والأكثر تطوراً في المنطقة، تركها والخليجيون يقولون عنها إن شوارعها من ذهب ويسعون لها للتعلّم والعلاج والتجارة فيها.
شعوب الأرض قاطبة تعتز بتاريخها وتعرفه وتتدارسه، والأهم تُحدّث العالم به وتخبره كيف بنيت وتأسّست دولته، ويحتفون برموزه ويتناقلون مواقفهم وأقوالهم.
في البحرين لدينا احتياج ملحّ لسدّ العديد من الفراغات التاريخية، ولدينا بالمقابل العديد من المفاخر وأسباب الزهو والاعتداد والتباهي، هذا التاريخ ليس مكانه الأدراج أو المكتبات، بل مكانه العقول والقلوب، يُحفظ وينقله الآباء للأبناء، ومن ثم للأحفاد.
فجلالة الملك المعظّم لم يُسمِّ الشيخ عيسى بن علي بالكبير لمجرّد الاحتفاء به فحسب، بل لنعلم أنه الحاكم الذي تولى الحُكم وهو في الحادية والعشرين من عمره، تولاّه وهو مُصاب بسبع طعنات، وتولاّه والبحرين كانت الأحوج إلى الاستقرار والأمن والطمأنينة وتحسين علاقات الجوار ومواجهة التهديدات والتحديات، والحاكم الشاب نجح في تخطّي جميع تلك الصعاب منذ بداية حكمه.
سُمّي هذا العام عام عيسى الكبير لنعلم كيف تصدّى لكل تلك الصعاب، وكيف نقل البحرين من إمارة إلى دولة وطنية، وكيف جمع التعدّديات التي على أرضها، وجعل لها هوية بحرينية جامعة لا روابط الدم أو العرق أو الدين من يحدد مواطنتها، بل هو الانتماء والولاء، فنقلها إلى ملامح الدولة المدنية.
نحن نتحدّث عن تحديد للحدود وللسيادة وللاستقلال ولنظام سياسي مستقر وبيعة شعبية وأُسس مدنية ونظام اجتماعي متقدّم وخلق هوية مشتركة جامعة لجميع التعدديات على الأرض وعلاقات إقليمية ودولية متوازنة، قبل أن نتحدث عن بناء نُظمها الإدارية بكثير، إننا نتحدث عن إمارة تحوّلت دولة سبقت زمانها ومكانها، لذلك هو «الكبير» لأن أفعاله كلها كانت كبيرة.
شكراً للحفيد الذي أوفى حق أجداده، شكراً لحمد بن عيسى بن سلمان بن حمد بن عيسى بن علي آل خليفة.