شيخة الرمزان
ثمَّ يأتي غداءُ العيد، لا بوصفهِ موعداً للطعامِ فحسب، بل كطقسٍ إنسانيٍّ عميقٍ تُعيدُ فيه الحياةُ ترتيبَ معنى القرب. كأنَّ الزمنَ، المُنهك من العجلةِ والأيّامِ المتشابهة، يتوقّفُ قليلاً عند هذهِ المائدةِ ليمنحَ الناسَ فرصةً نادرةً لاستعادةِ أنفسِهم في وجوهِ مَن يحبّون. فغداءُ العيدِ ليسَ اجتماعاً عابراً، بل لحظةٌ تُصلحُ...
في العيدِ، لا تُقاسُ الأشياءُ بحجمِها، بل بما توقظهُ في القلبِ من دهشة. ولهذا كانتِ العيديةُ -مهما بدتْ صغيرةً في عيونِ الكبار- عالماً كاملاً في قلبِ طفلٍ ينتظرُ صباحَ العيدِ كما لو أنّ السماءَ ستفتحُ أبوابَها للفرح. منذُ الفجر، يبدأُ الأطفالُ بقلوبٍ صغيرةٍ لا تعرفُ الصبر. ثيابٌ جديدةٌ تفوحُ منها رائحةُ العيد، وجيوبٌ تنتظرُ...
كانتْ رائحةُ الحنّاءِ التي تفوحُ من كفّيَّ الصغيرتين توقظني بين الحين والآخر، فأفتحُ عينيّ لألقي نظرةً نحو فستاني الجديد المطرّز بألوانٍ زاهية فضيّة وورديّة، ونظرةً أخرى على الحذاء الأبيض؛ فأبتسم متمنّيةً أن يهجم الصبح على عجل، حتّى أغسل كفّيَّ، وأفرح بلون الحنّاء الأحمر القاني، وأرتدي لباس العيد. وفيما أنا مستغرقة في...
كانتِ البحرينُ في تلكَ الأيامِ تشبهُ مدينةً من نورٍ تقفُ على حافةِ الموج، بينما كانتِ الرياحُ القادمةُ من بعيدٍ تحملُ رائحةَ الفوضى وأصواتَ الخراب. غيرَ أنَّ هذه الجزيرةَ الصغيرةَ لم تكنْ يوماً هشّةً كما ظنّ العابثون، بل كانتْ أشبهَ بلؤلؤةٍ خبّأتْ في أعماقِها سرَّ البقاء؛ كلما حاولتِ العواصفُ أن تخدشَ بريقَها، ازدادَ...