كانتْ رائحةُ الحنّاءِ التي تفوحُ من كفّيَّ الصغيرتين توقظني بين الحين والآخر، فأفتحُ عينيّ لألقي نظرةً نحو فستاني الجديد المطرّز بألوانٍ زاهية فضيّة وورديّة، ونظرةً أخرى على الحذاء الأبيض؛ فأبتسم متمنّيةً أن يهجم الصبح على عجل، حتّى أغسل كفّيَّ، وأفرح بلون الحنّاء الأحمر القاني، وأرتدي لباس العيد. وفيما أنا مستغرقة في أمنياتي سبق خيالي النوم، ورحتُ في سباتٍ عميق.
حلمتُ بـ«الحِيّة بيّه» التي ألقيتُها منذ سويعات. لقد زرعتُها بمساعدة والدتي في علبة «أناناس» معدنيّة، صنعنا في باطنها ثقوبًا صغيرة؛ لنملأها بعد ذلك بالسّماد، وننثر فيها من بذور الشعير أو «الماش».
كنتُ أسقيها كلّ يوم حبّاً وشغفاً لتكبر، وكنتُ حريصةً على أن أراقبها تنمو يوماً بعد يوم حتى تصبح بهيّةً تسرّ الناظرين. وعند غروب شمس يوم عرفة أودعت والدتي بين يديّ الصغيرتين قبضةً من الأرز المطبوخ، فوضعتها وسط نبات «الحِيّة»، مثلما كانت تفعل أمّي عندما كانت صغيرة.
وقبل أذان المغرب بنصف ساعة استودعتني والدتي الله، فأخذتُ حيّتي وذهبتُ مع أقراني إلى منطقة تبعد عن بيتي بضعة أمتار، على حدّ أرضٍ مرتفعة من جهة الجنوب الشرقيّ من منطقة الرفاع الغربيّ في الجزء العلويّ المنحدر إلى الحنينية؛ لنلقي «حيينا» في الوادي.
وكانت كلّ «حيّة» تتميّز بالنضارة والبهاء، واقتربنا من الوادي الجميل الذي يكشف في ذلك الموضع كلّ أجزاء الحنينية الساحرة. فلم تكن هناك مبانٍ تمتدّ في أطرافه يومذاك، وأما عن اليمين، فتوجد «عين الحنينيّة»، تحيط بها الأشجار، وأما عن اليسار، فتمتد مساحة واسعة هي «مقبرة الحنينيّة»، وما دون ذلك فضاءٌ رحب، وأرضٌ شبه رمليّة ينبتُ فيها العشبُ الذي ألفناه حينها؛ مثل: «الحوّى» و«الحنزاب» و«الملبو».
لكنّني اليوم، كلّما عدتُ بذاكرتي إلى تلك البقاع، أدرك أنّها لم تكن مجرّد أماكن نعبرها، بل كانت صفحاتٍ من كتاب الوطن المفتوح، تحفظ ملامح طفولتنا، وتخبّئ ضحكاتنا بين طرقاتها. فالوطن لا يسكن الخرائط وحدها، بل يسكن الذكريات التي تربّينا عليها، والعادات التي ورثناها، والأرض التي شهدت خطواتنا الأولى. وكنّا، من حيث لا نشعر، نتعلّم الوفاء للوطن قبل أن نعرف معنى الكلمة؛ نتعلّمه حين نحبّ ترابه، ونأنس بأحيائه، ونكبر ونحن نحمل في أعماقنا امتناناً صامتاً لكلّ ما منحتنا إيّاه أرضنا.
وبعد أن اصطففنا على ذلك السفح الجميل، وكأنّ الوقت قد أذِن، أخذنا ننشد بأصواتٍ رقيقة موقّعة بنبضات قلوبنا النقيّة، متناغمة حبّاً لما نصنع:
«حيّة بيّة، راحت حيّة، ويات بيّه، على دربِ الحنينية، غديتج وعشيتج، نهار العيد لا تدعين عليّه، مع السلامة يا حيّيتي، ودّعتج الله يا حيّتي».
حينها كنّا ننظر إلى «الحيّة» وكأنّها لحظة وداعٍ تخالجها فرحةٌ بفعاليات يوم الغد المميّز، وتظلّ تتراقص على الأهازيج يمنةً ويسرة، والنفس بين رغبةٍ في التمسّك بها وقد أصبحت رفيقتنا لأيام، ورغبةٍ في رميها إعلانًا لاقتراب العيد بما يحمله من مفاجآتٍ مشوّقة.
وبين مدّ الرغبتين وجزرهما كانت تتغلّب نشوة العيد المنتظر؛ لتطير الحيّة من أعلى الهضبة، فيصبح السهل بساطًا أخضر، وكأنّ الأرض قد اكتست لباسها الأخضر قبلنا استقبالاً للعيد.
بعدها نعود إلى بيوتنا مشياً على الأقدام، وسط ضحكاتٍ بريئة، ممزوجة بترانيم نردّد فيها بعض كلمات «الحِيّة بيّه»، وبعض منّا منتشِ بفرحة العيد القادم بعد سويعات، وبعضٌ آخر ينشد:
«باجر العيد بنذبح بقرة، وبنادي خلفان بسيفه وخنجره»، ثمّ نفترق بعدها ونحن نردّد الأهازيج الجميلة احتفاءً بالعيد السعيد.
بعدها، أفيق من نومي ونغمات أهازيجنا لاتزال ترنّ في أذنيّ، لأنظر إلى لقمةِ الحنّاء النائمة في كفّيّ، وأشعر بمرورِ كفِّ والدتي التي تطمئن علي كلّ حين، كعادتها، وتدور نظراتي متأمّلة تجهيزات العيد، فأبتسم في حالةٍ من الرضا والطمأنينة.
واليوم، وبعد أن مضت الأعوام، أدركُ أنَّ تلك التفاصيل الصغيرة لم تكن مجرّد طقوس طفولةٍ عابرة، بل كانت دروساً خفيّةً في الوفاء؛ وفاءً للأهل، وللذكريات، وللأرض التي احتضنت أحلامنا الصغيرة. فالوطن ليس مكاناً نعيش فيه فحسب، بل ذاكرةٌ تسكننا، وكلّما حفظنا موروثه، وأحببنا ترابه وصُنّا حكايته، ازددنا وفاءً له.
وهكذا تبقى البحرين في القلب وطناً لا يغادرنا، وتبقى محبّته عهداً نكبر عليه، ونورّثه كما نورّث أجمل الأهازيج والحكايات.