د. راشد عبدالرحمن العسيري - أستاذ الفقه بجامعة البحرين

من جملة الأخلاق الفاضلة التي دعا الإسلام إليها، وحث على التخلق بها خُلق الصدق، والصدق هو: الخبر عن الشيء على ما هو به، مع مطابقة القول الضمير والمخبَر عنه معًا.

وقد حثت شريعة الإسلام على التزام الصدق في كل الأحوال، فإن الصدق سبيل للفرج، ومُخرج من الصعاب والمهالك، هو طريق ينجي صاحبه من عذاب الله تعالى، يقول المولى عز وجل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ».

فأهل الصدق في الدنيا ينفعهم صدقهم في الدنيا والآخرة، فهم الذين صدَّقوا بالحق والتزموه فاستحقوا توفيق الله تعالى في الدنيا ونعيمه في الآخرة.

ويحث النبي صلى الله عليه وسلم على تحري الصدق - أي قصده والاعتناء به -، فهو طريق يوصل إلى جنة الله ورضوانه، ويحذر صلى الله عليه وسلم من الكذب أو التساهل فيه؛ فإذا تساهل العبد في الكذب كثُر منه، وعُرف به، فيكون كذاباً إن اعتاده، فاستحق صفة الكذابين وعقابهم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا».

لذا فإن خُلق الصدق سمة من سمات أهل الإيمان وصفة من صفات أهل التقوى ووالبر والإحسان.

وفي شهر الصيام تبرز حقيقة خٌلق الصدق من عدة نواح؛ من أبرزها: أن الصائم الحق هو من صدق مع الله تعالى في أدائه لهذه العبادة الخفية التي لا يطلع عليها سوى المولى عز وجل وأخلص عبادته لله تعالى، لذا لما كان أمر الصيام أمرًا خفيًا لا يطلع عليه أحد من الخلق، كان جزاء الصيام مما أختص الله ثوابه لنفسه، فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، ولا أحداً من خلقه، يقول النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ؛ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي».

كما تربي مدرسة الصيام المؤمن على تعظيم ربه ومراقبته له بالتحلي بالصدق في أقواله وأفعاله؛ بأن يصون لِّسانه عن قولِ ما منَع وزجَر من الكذب والخداع وقول الزور، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يدَع طعامَه وشرابَه».

فقدْ يصوم الصائِم عن الطعام والشَّراب، ويُفطِر على غيرِهما، قدْ ملأ يومَه بأقوالٍ وأفعال تنقص مِن أجْره صومه، أو قد تُبطل عملَه؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «رُبَّ صائمٍ حظُّه مِن صيامه الجوعُ والعطَش، ورُبَّ قائمٍ حظُّه من قيامه السَّهَرُ».

فالمؤمن التقي من صدق في أقواله وأفعاله وفي ظاهره وباطنه وفي سره وعلانيته، وهو ما يؤكد على عظم منزلة الصدق في ديننا الإسلامي الحنيف.