د. راشد عبدالرحمن العسيري

من بين أسمى الأخلاق التي دعا إليها الإسلام وحث على التحلي بها خلق العفة، والعفة هي: الكَفُّ عما لا يَحِلُ ويَجمُل، وتعني: ضبط النفس عن الشهوات، وقصرها على الاكتفاء بما يقيم أود الجسد، ويحفظ صحته، واجتناب السَّرف في جميع الملذات، وقصد الاعتدال فيها.

وقد حثت شريعة الإسلام على التمسك بخُلق العفة والتخلق به، يقول الله تعالى: «وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ».

ومن مجالات العفة التعفف عن مسألة الناس، ولقد يبن لنا المولى عز وجل حالهم فقال سبحانه: «لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ».

وقد ضرب لنا نبينا صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في التعفف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: أَخَذَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ رضي الله عنهما تَمْرَةً مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا في فِيهِ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كِخْ كِخْ، ارْمِ بهَا، أَما عَلِمْتَ أنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ».

والعفة نوعان: أحدهما: العفة عن المحارم، بكف النفس عن ارتكاب المحرمات، والثاني: العفة عن المآثم.

ولا يكون العبد تام العفة؛ حتى يكون عفيف اليد، واللسان، والسمع، والبصر، وسائر الجوارح.

فعفة اليد: تكون بحفظه عما في أيدي الناس، وعفة اللسان: تكون بحفظه عن الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور والسخرية والاستهزاء والتنابز بالألقاب، والكف عن أعراض الناس، وعفة السمع: تكون بحفظه عما حرم الله تعالى من سماع الحرام والبهتان والسخرية والغيبة والنمية، وعفة البصر: تكون بحفظه عن النظر عما حرم الله تعالى من المحرمات، في سره وعلانيته، وعفة البطن: وتكون بالحرص على الحلال واجتباب الحرام في المأكل والمشرب، وعفة الفرج: وتكون بحفظه عما حرم الله من الرذائل والفواحش.

وعماد عفة الجوارح كلها، ألا يطلقها صاحبها في شيء مما يختص بكل واحد منهما، إلا فيما يسوغه العقل والشرع دون الشهوة والهوى ، فلابد للمسلم أن يتورع عن الحرام في سره وعلانيته.

وشهر رمضان المبارك مدرسة للأخلاق الإسلامية، وفيها يتعلم خُلق العفة، فتربي المسلم على ضبط نفسه بالابتعاد عن الشهوات والمحرمات في أيام وليالي هذا الشهر الفضيل.

وكما أن الصيام يعلم الصبر ويجعل القلب خاضعًا لله تعالى ويحصن القلب والعقل والسلوك من كل ما يبعدها عن فطرتها النقية، فلا انجراف وراء الملذات الدنيوية، ولا استلام للشهوات المضلة، فيسمو القلب للخالق سبحانه وتعالى، وتزداد النفس نقاءً وطهارة.

لذا فإن المسلم يتزود بما يعينه على ضبط نفسه وتهذيبها خلال شهر الصيام، كما يغتنم من هذا الشهر ما يعينه وينفعه زاداً لما بعد رمضان، ليسعد في دنياه وآخرته.

* أستاذ الفقه بجامعة البحرين