حنان الخلفان

اعتدنا أن نرى الشعوب تكتب رسائل الولاء لقادتها، وأن تتسابق الجماهير إلى التعبير عن الامتنان لمن يقود أوطانها ويحمل مسؤولية مستقبلها. اعتدنا أن تأتي كلمات الشكر من الناس إلى قادتهم، وأن تُرفع عبارات التقدير من القاعدة إلى القمة. لكن المشهد الذي شهدته البحرين هذا الأسبوع كان مختلفاً تماماً.

هذه المرة لم يكن الشعب هو من يكتب الرسالة، بل كان القائد هو من يكتبها.

لم يكن المواطنون هم من يوقعون وثيقة الولاء، بل كان حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وأبناؤه الكرام، يوقعون وثيقة شكر ووفاء للمواطنين. وهنا تحديداً تكمن قيمة المشهد، لا في الكلمات التي حملتها الوثيقة فحسب، بل في الرسالة العميقة التي أرادت أن تقولها.

لم تكن الوثيقة مجرد رد على مواقف وطنية مشرّفة عبّر عنها المواطنون خلال الفترة الماضية، بل رسالة تقدير موثقة تؤكد أن تلك المواقف وصلت إلى قائد البلاد وكانت محل اعتزاز وتقدير. وهنا تحديداً تجاوزت الوثيقة حدود المناسبة، لتصبح تعبيراً عن علاقة قائمة على الثقة والوفاء والاحترام المتبادل.

ولعل ما منح الوثيقة قيمتها المعنوية الكبيرة أنها جاءت امتداداً للكلمة السامية التي عبّر فيها جلالة الملك المعظم عن بالغ تقديره لما أبداه المواطنون والعائلات البحرينية الكريمة من مشاعر صادقة ومواقف وطنية مشرّفة كان لها بالغ الأثر في النفس. لكن ما منح المشهد بُعداً أعمق هو أن جلالته لم يكتفِ بالكلمات، بل حوّل هذا الامتنان إلى وثيقة موقّعة شاركه فيها أبناؤه الكرام. فقد كان بإمكانه أن يوقعها وحده، إلا أن مشاركة أبنائه حملت رسالة واضحة مفادها أن احترام الشعب وتقدير مواقفه ليس موقفاً عابراً أو مرتبطاً بمناسبة محددة، بل قيمة راسخة تنتقل من جيل إلى جيل، وتنسجم مع طبيعة العلاقة التاريخية التي جمعت عائلة آل خليفة الكريمة الرشيدة بأهل البحرين عبر عقود طويلة من الثقة المتبادلة والالتفاف حول الوطن. وأنا أتابع مشهد التوقيع، وجدت نفسي أتوقف عند الصورة أكثر من الكلمات. فالكلمات كانت جميلة بلا شك، لكن الصورة كانت أبلغ. صورة قائد يوقع رسالة تقدير لشعبه، وأبناؤه يقفون إلى جانبه، كانت كفيلة بأن تختصر كثيراً مما يصعب شرحه بالكلمات. ففي زمن تمتلئ فيه الشاشات بالتصريحات والمواقف، بقيت بعض الصور قادرة على أن تروي حكاية كاملة في لحظة واحدة، وهذه كانت واحدة منها. كما أن أجمل ما كشفته الكلمة السامية والوثيقة معاً هو أن الحديث لم يكن عن حدث بعينه، بل عن الإنسان البحريني نفسه. ذلك الإنسان الذي وصفه جلالة الملك المعظم بأنه كان قوة الوطن في الحرب، كما هو قوته الدائمة وقت السلم. وهي عبارة تختصر فلسفة وطن كاملة تؤمن بأن قوة الدول لا تقاس فقط بما تملكه من إمكانات، بل بما تملكه من شعب واعٍ ومخلص ومؤمن بوطنه. وقد أثبت البحرينيون في مختلف المحطات أن حب الوطن ليس شعاراً يُرفع عند الحاجة، بل سلوك يظهر تلقائياً حين يستدعي الواجب الوطني ذلك، ولهذا جاءت مشاعر التقدير الملكية صادقة وقريبة من الناس، لأنها لم تكن موجّهة إلى فئة دون أخرى، بل إلى شعب كامل أثبت مرة أخرى أنه على قدر المسؤولية.

وبصراحة..

بعض القادة ينتظرون الشكر من شعوبهم، أما القادة الكبار فيعرفون متى يشكرون شعوبهم.

ليست كل اللحظات التي تبقى في الذاكرة تصنعها القرارات الكبرى، فبعضها تصنعه المواقف الإنسانية الصادقة. وستبقى وثيقة الشكر والوفاء واحدة من تلك اللحظات، لأنها ذكّرت الجميع بأن الوفاء لا يسير في اتجاه واحد، وأن القائد الذي يقدّر شعبه يرسخ في القلوب قبل أن يرسخ في صفحات التاريخ. وفي ذلك تكمن قيمة المشهد كله: أن قائدهم لم ينتظر الشكر، بل بادر إليه.