ليست كل شهادات التخرج متشابهة. فبعضها يُكتب بالحبر، وبعضها يُكتب بالصبر. بعض الشهادات تكون نهاية سنوات من الدراسة، بينما تكون أخرى تتويجاً لرحلة طويلة من التحديات والفقد ومحاولات النهوض من جديد كلما ظنّ الجميع أن الطريق أصبح أكثر صعوبة.
ومع اقتراب حفلات التخرج هذا العام، وجدت نفسي أفكر في القصص التي لا تظهر في الصور التذكارية، ولا تعرفها الكاميرات، ولا تختصرها المعدلات الجامعية. تلك القصص التي تبدأ قبل الجامعة بسنوات، وتُصنع في ظروف لم يخترها أصحابها، لكنهم اختاروا أن يواجهوها بإرادة لا تنكسر.
ومن بين هذه القصص، تحضر في ذهني قصة أختي دانة.
عاشت دانة سنوات طويلة إلى جانب والدتها خلال رحلة المرض، تراقب التعب عن قرب وتعيش تفاصيله اليومية. ثم جاء اليوم الذي رحلت فيه والدتها، تاركة فراغاً لا يملؤه شيء، وذكرى لا تغيب عن القلب مهما مر الزمن.
ولم يكن ذلك الفقد هو المحطة الأصعب الأخيرة في حياتها. فبعد ثمانية أشهر فقط، فقدت والدها أيضاً.
في تلك الفترة، لم نكن نخشى على دراستها بقدر ما كنا نخشى عليها من الحزن نفسه. كنا نرى كيف تحاول أن تبدو قوية أمام الجميع، وكيف تعود إلى كتبها ومحاضراتها، بينما تحمل في داخلها ما يكفي من الألم ليمنحها ألف سبب للتراجع.
كان بإمكانها أن تؤجل أحلامها، وأن تؤجل دراستها، وأن تمنح نفسها الأعذار التي كان الجميع سيتفهمها ويقبلها دون لوم. لكن دانة لم تكن من الأشخاص الذين يبحثون عن الأعذار، بل من أولئك الذين يبحثون عن الطريق مهما بدا طويلاً. كانت تؤمن أن الحياة لا تتوقف عند الخسارات مهما كانت موجعة، وأن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن يحبهم بعد رحيلهم هو أن يواصل السير نحو الأحلام التي تمنحها له.
وأتذكر جيداً الأيام الأولى بعد قرارها الالتحاق بالجامعة. يومها سألتني دانة سؤالاً: «هل تعتقدين أنني أستطيع المواصلة رغم كل ما أمرّ به؟». لم أتردد في الإجابة، وقلت لها بثقة أكبر مما كنت أشعر به في داخلي: «لن تواصلي فقط، بل ستتخرجين وتتفوّقين أيضاً».
ومنذ ذلك اليوم أصبحت أتابع نتائجها فصلاً بعد فصل، وأفرح بكل درجة تحققها، بل وأشعر بالضيق أحيانًا عندما لا تحقق الدرجة التي أعرف أنها تستحقها. لم يكن ذلك لأن الدرجات هي الأهم، بل لأنني كنت أرى في كل نجاح صغير خطوة جديدة تنتصر بها على الظروف التي حاولت أن تعطل مسيرتها.
ولهذا تمسكت بحلمها الدراسي، واجتهدت وصبرت وتابعت طريقها خطوة بعد أخرى. لم تكن رحلتها سهلة، لكنها كانت تعرف جيدًا إلى أين تريد أن تصل. واليوم، وقبل أيام قليلة من حفل تخرجها، تستعد دانة لاستلام شهادة انتظرتها طويلًا بعد أن أنهت دراستها الجامعية بدرجة الامتياز، لتثبت أن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بما يحققه الإنسان، بل بما يتجاوزه في طريقه إلى ذلك الإنجاز.
ولأن الحقيقة يجب أن تُقال، فإن هذا النجاح لم يكن نجاح دانة وحدها. فقد حاولنا نحن إخوتها أن نكون إلى جانبها في كل مرحلة، وأن نمنحها ما استطعنا من دعم وسند، إيماناً منا بأن الأسرة تظهر حقيقتها في الأوقات الصعبة. وربما لهذا السبب أؤمن أن موسم التخرج ليس احتفالاً بالشهادات فقط، بل احتفال بالإرادة وبالأشخاص الذين يقررون مواصلة الطريق رغم التعب والصعوبات.
وبصراحة.. أعرف جيداً أن أكثر ما يسعد دانة في هذا الإنجاز ليس درجة الامتياز وحدها، بل أنها أوفت بوعدٍ قطعته في قلبها لوالديها؛ أن تكمل الطريق، وأن تحقق الحلم الذي تمنياه لها.
افرحوا بأبنائكم، وعيشوا معهم لحظات النجاح. فبعض اللحظات لا تتكرر، وبعض النجاحات تستحق أن نتوقف عندها طويلاً.
ومبارك لدانة، ومبارك لكل خريج وخريجة. فبعض قصص التخرج لا تبدأ في الجامعة، بل تبدأ يوم يقرر الإنسان ألا يستسلم.