في الأسابيع الأخيرة، تحولت وثائق العهد والولاء إلى مشهد لافت في البحرين. لم تقتصر على المؤسسات أو الفعاليات الرسمية، بل امتدت إلى المجالس وبيوت العائلات والقاعات الكبرى والجمعيات والأندية ومختلف التجمعات المجتمعية. وبينما كان أبناء البحرين يتوافدون للتوقيع عليها، كان هناك من يتابع المشهد من الخارج متسائلاً عن سر هذا التفاعل الواسع، محاولاً تفسيره وفق مفاهيم قد لا تعكس حقيقة ما يشعر به أهل هذا البلد.
وربما استغرب البعض هذا الحضور الشعبي الكبير، ورأى آخرون أن الأمر أكبر من مجرد وثيقة. والحقيقة أنهم كانوا محقين في جزء من ملاحظتهم، فالقصة بالفعل أكبر من الورقة نفسها.
ولعل السؤال الأهم ليس لماذا وقّع أبناء البحرين على وثائق العهد والولاء، بل لماذا أثار هذا المشهد استغراب البعض إلى هذا الحد؟ فالمسألة لا تتعلق بورقة تحمل تواقيع، وإنما بما كشفته تلك التواقيع من تلاحم وثقة وانتماء. وفي عالم تتسع فيه المسافات بين الشعوب ومؤسساتها، وتزداد فيه مشاعر الشك والتباعد، بدا مشهد الالتفاف الشعبي في البحرين مختلفاً ومثيراً للانتباه. وربما لهذا السبب انشغل البعض بمحاولة تفسير الظاهرة أكثر من التوقف عند معناها الحقيقي. فما ظهر على الورق لم يكن سوى انعكاس لعلاقة تراكمت عبر سنوات طويلة من الثقة المتبادلة والشعور المشترك بالمسؤولية والانتماء.
فما كشفته الوثائق لم يكن حجم المشاركة فحسب، بل حجم العلاقة التي يصعب قياسها بالأرقام. وما أثار الانتباه لم يكن عدد التواقيع، بل حجم المحبة التي ظهرت من خلالها. فهذه المشاعر لم تُولد اليوم، ولم تبدأ مع هذه المبادرة، بل هي امتداد لعلاقة طويلة بين الشعب وقيادته، وبين الإنسان والمكان الذي كبر فيه وتعلّم على أرضه وحمل اسمه أينما ذهب.
ومن الصعب على من ينظر إلى المشهد من بعيد أن يدرك طبيعة هذه العلاقة. فالبحرين بالنسبة لأبنائها ليست مجرد مكان يقيمون فيه، بل ذاكرة مشتركة، وحكايات متوارثة، وشعور بالأمان ظل حاضراً في وجدان الناس حتى أصبح جزءاً من هويتهم. ولهذا لا تُقرأ مثل هذه المشاهد بالأرقام والإحصاءات، وإنما تُقرأ بما تحمله من دلالات إنسانية لا تظهر في الصور ولا تختصرها العناوين.
ومن الخطأ اختزال هذا المشهد في إطار المناسبة وحدها، لأن ما حدث كان أوسع من ذلك بكثير فقد كشفت الوثائق عن شيء ربما لم يكن بحاجة إلى إثبات أصلاً، وهو أن العلاقة بين أبناء البحرين وبلدهم لا تُقاس بحجم المناسبات الوطنية، بل تظهر تلقائياً كلما سنحت الفرصة للتعبير عنها. وكأن هذه الوثائق لم تجمع التواقيع بقدر ما جمعت قصصاً متشابهة لأناس يختلفون في أعمارهم ومهنهم وتفاصيل حياتهم، لكنهم يلتقون عند شعور واحد اسمه البحرين.
فالوثائق لم تصنع هذا الشعور، بل منحت الناس فرصة للتعبير عنه. فرصة ليقولوا بطريقتهم الخاصة إن الانتماء لا يُقاس بعدد الكلمات، وإن الامتنان لا يحتاج دائماً إلى خطابات طويلة، فربما كان توقيع واحد كافياً ليختصر مشاعر سنوات كاملة.
ولهذا لم تكن الوثيقة هي القصة الحقيقية، بل كانت مجرد دليل عليها. دليل على علاقة متجذرة بين شعب وقيادة ووطن، وعلى امتنان صادق لبلد أعطى الكثير، فاختار أبناؤه أن يردوا جزءاً من هذا الجميل بكلمة وفاء وتوقيع محبة.
وقد يرى البعض أوراقاً تحمل أسماءً كثيرة، أما أبناء البحرين فيرون فيها شيئاً آخر تماماً؛ يرون قصة انتماء لا تبدأ بتوقيع، ولا تنتهي عند وثيقة، لأن ما كُتب على الورق لم يكن سوى انعكاس لما هو مكتوب منذ زمن طويل في القلوب.