نجلاء حسونة

مغمورة أنا وأنتم بالنعم مدللون عند ربنا، كيف لا وقد وضع لنا قدراً مهماً حلق بنا في الصعاب، إلا أنه تغمر أجنحة اللطف والرحمة، فإن سقطت في كبوة تلقفتك أيادي لطفه، فقمت شامخاً مرفوع الرأس كالجواد الأصيل فلكل جواد كبوة، ويبقي الفرس أصيلاً وتبقى الكبوة مجرد عثرة، وإن مرضت جعل الأطباء يحتارون كي يرسل لك رسالة حب بيقين أن الشافي هو، وإن كاد لك الكائدون بكل أنواع الحيل والشرور كشف لك الأوجه وأسقط الأقنعة، وقد أخلى الساحة حولك لتتعلم أن سرك وسندك هو، تُحرم من نعم تظنها غالية ليجود عليك بما هو أغلى ليعلمك أن العطاء منه هو.

يُشعل البشر في قلبك نار القهر، وتذوق الظلم بلا نصير، وتُرفع عليك ألوية الغدروتغرز بقلبك طعنات الخيانة، فيمد يده فجأة ليمحو كل ذلك بنصره هو، كل ذلك وأنت ثابت الإيمان؛ لأنك تمر بمرحلة لا تدرك ما أنت فيه أنها مرحلة الاصطفاء الرباني.

وإبليس الغرور يعلم كل ذلك فيستميت ليشكك في ثوابتك، والعبث ببرمجيات نفسك فيدُب الحزن في أرجائك يُشعل نيران الحسرة في قلبك كي لا تنال تلك المكانة أبداً.

حتى تعترض فيقول إني بريء منك إني أخاف الله.

أنت تسير في الحياة لا تعلم أنه إن رأيت كل شيء ضدك وكل ما يحدث لك ليس منطقياً على الإطلاق فكن على يقين أنها شرارة بدء مرحلة التغيير الجذري وتبديل الأحوال للأفضل.

انظر إلى مدبرة المنزل إذ فجأه تشعر أن البيت أصبح قديماً رتيباً يفقد الرونق والحياه رغم الصورة الحلوة من الخارج ماذا تفعل!! تقلب المنزل رأساً على عقب تفند الأوراق والملابس فتتخلص من القديمة والجديدة تبقى، والأشياء المركونة فما منه فائدة يتم وغيرذلك فيرمى ثم تتخلص من كل هذه المقتنيات التي أصبحت (كراكيب) بلا ندم ولا حسرة، تعمل على نظام إعادة التشغيل ببرمجة جديدة لاستجلاب راحة وسعادة فتضيف ورود، تغير مقاعد، تشتري آنية جديدة إلى أن تشعر أن كل شيء أصبح له طعم جديد وانطباع جيد على النفس.

هكذا هي حياتنا التي جُبلت على التغيير المستمر فلا حال يدوم ولا شيء يُخلد ويبقى التغيير هو القاعدة الثابتة الوحيدة في الحياة، فلا تهتز إن وجدت أبواباً تُغلق، أشخاص يختفون من حياتك رغم مكانتهم الغالية في نظرك، ولا تتعجب فأشخاص جديده تبدأ بالظهور حتى أنه ربما يأتي لك أشخاص قدامى انقطعت الصلة بهم ليظهروا مرة أخرى في حلة جديدة، ستجد أمامك فرصاً تضيع واحدة تلو الأخرى أو شعوراً بعدم الراحة لما يحدث فجأة من تطورات تخيفك، تتعرض لمشاعر الرفض والخسارة أو الفقد فجأة كل ما كان مرتباً واعتيادياً يتحول إلى فوضى غير مفهومة.

ثم تلاحظ تغير شخصيتك، ثم تصبح علاقتك مع الله أقوى، هنا يبدأ التمكين فقد وضع الله لك قوانين تظبط أمرك وتحررك من صعوبات كل مرحلة وتهدم صوامع الانكسار التي بنيتها مع نفسك عبر السنين وما أن تكون مع الله إلا ويغير لك المقادير ويفاجئك بالعطايا والعوض بعد الخسارة حتى تدرك أن كل ما ظننته خسارة كان خطوة لتصل لقمة النصر والتمكين، سورة يوسف 110{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ}.

انظر لأحسن القصص فيوسف عليه السلام مر بكل تلك المراحل، الغدر من الاقربين وذل العبودية ثم فتن الشهوات ثم الطعن في طهره ثم السجن ظلماً حتى أتى التمكين العظيم على أهون سبب، رسالة قوية جداً تؤكد أن قمة النصر والتمكين يأتى من الله بقمة السهولة (كن فيكون). إعلان فجأة انتهت مدة الاختبار ورحلة العناء بكل مصاعبها وبضغطة زر تظهر النتيجة في لحظة، إرادة الله تعلن أنك نجحت بتفوق استلم جائزتك فما أجملها من لحظة وما أحلاه من شعور.

فأحظى بشرف معية الله في الابتلاء»يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» ستحلو الأيام فاثبت.