قال خبير واستشاري التربية الخاصة ومدير مركز «معاً» للتربية الخاصة، د. أسامة أحمد مدبولي، إنه مع حلول السبت الأخير من شهر يوليو من كل عام، لم يعد «السبت البنفسجي» مجرد مناسبة للاحتفاء الرمزي أو تنظيم عروض مؤقتة، بل أصبح محطة تقويمية تعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع وأفراده من ذوي الإعاقة.

وأضاف د. مدبولي، في تصريحات لـ«الوطن»، أن نسخة 2026 تجاوزت حدود المبادرة الوطنية لتصبح حالة مجتمعية إقليمية، تعكس تحولاً في فكر السياسات العامة وسلوكيات القطاع الخاص، ونضج الخطاب الإعلامي المتعلق بقضايا الإعاقة وحقوق أصحابها.

وأوضح أن اختيار اللون البنفسجي لم يكن اعتباطياً، إذ يرمز إلى الكرامة والاتزان والحكمة، كما يحمل في دلالته الثقافية أبعاداً تربوية ورمزية تناسب رسالة الدمج، مشيراً إلى أن ارتداء البنفسجي في هذا اليوم يمثل إعلاناً جماعياً بالانحياز إلى كرامة الأشخاص ذوي الإعاقة، وإقراراً بأن الإعاقة جزء من التنوع الإنساني، وليست عائقاً أمام امتلاك طاقات وإمكانات قابلة للاستثمار.

وتابع أن اللون يصبح وسيلة بصرية لتذكير المجتمع بأن المظهر العام للمكان والسياسات والسلوك لا يقل أهمية عن العبارات الخطابية.

وأكد أن الخطأ الشائع يتمثل في اختزال المبادرة في عروض تجارية يومية، في حين أن السبت البنفسجي يمثل عملاً تقويمياً و«اختباراً مجتمعياً» لقياس مدى جاهزية المجتمع لاحتواء ذوي الإعاقة.

وبيّن أن هذا الاختبار يقيس عوامل ملموسة، مثل إمكانية الوصول المادي والرقمي، ووجود خدمات مساندة، وجودة تعامل موظفي الخدمات العامة والتجارية، ومدى توافر فرص المشاركة الحقيقية في التعليم والعمل والثقافة.

وأشار إلى أن الاختبار يقيس أيضاً مؤشراً أقل وضوحاً، لكنه محوري، يتمثل في درجة تغير الثقافة المجتمعية من الشفقة إلى الاعتراف بالحقوق والفرص.

ولفت د. مدبولي إلى أن جهود الشمول ارتبطت حتى سنوات قليلة مضت بالتحسينات المعمارية، مثل إنشاء المنحدرات والممرات الأعرض ومرافق الحمّام المتاحة، إلا أن عام 2026 يشهد قفزة نوعية نحو «التهيئة التقنية».

وأوضح أن تطبيقات الهواتف التي تحول الكلام إلى نص، ومنصات التسوق الرقمية الميسّرة، وأنظمة التواصل البديل والمعزز، وإمكانات الواقع الافتراضي في التأهيل، تمثل جميعها عناصر طرحتها سوق الخدمات لتسهيل مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة.

وذكر أن هذا التحول ينقل التركيز من مجرد الوصول المادي إلى توفير تجربة مستخدم كاملة تناسب الاختلافات الحقيقية في القدرات، بما يحقق استقلالية أكبر، وانتظاماً في مشاركة الأفراد في السوق، وثقة متزايدة لدى الأسر.

وأكد أن الأسرة والمدرسة تظلان ركيزتين أساسيتين في مسار الدمج، وأن التأثير الإيجابي لأي مبادرة عامة يبقى محدوداً إذا لم يترافق مع برامج للتدخل المبكر، وتدريب مخصص للمعلمين، وخطط فردية ملائمة داخل الفصول، وموارد داعمة لأسر الأطفال.

وأضاف أن السبت البنفسجي يوفر لحظات ترويجية للتوعية، لكن الأهم هو تحويل هذا الزخم إلى سياسات وإجراءات مستدامة، تشمل التمويل المستمر لبرامج التدخل المبكر، وإدراج تكاليف التهيئة في خطط المدارس، وتوفير برامج للدعم النفسي والاجتماعي للأسر.

وأوضح د. مدبولي أن دعوة القطاع الخاص إلى المشاركة في السبت البنفسجي يجب أن تُقرأ بوصفها فرصة استثمارية ونمواً أخلاقياً، مشيراً إلى أن تهيئة بيئات العمل لتوظيف ذوي الإعاقة لا تقل أهمية عن أي مبادرة عالمية للتنوع والشمول، بل قد تحقق فوائد مباشرة تشمل الاحتفاظ بالموظفين، وتنوع الأفكار، وتحسين الصورة المؤسسية.

وشدد على ضرورة إدراك أصحاب الأعمال أن الشمول الحقيقي يتطلب سياسات توظيف مرنة، وبرامج للتدريب الوظيفي، وبنية تحتية رقمية ومعمارية متاحة، لافتاً إلى أنه اتضح في عام 2026 أن الشركات التي استثمرت عملياً في التهيئة شهدت عائداً إيجابياً في ولاء العملاء وحضورها الاجتماعي.

وأشار إلى أن الإعلام يمتلك قدرة حاسمة على تشكيل الموقف العام، وأن الانتقال من عرض المعاناة بوصفها سمة مركزية إلى إبراز الإنجاز والقدرة يغير الصورة النمطية ويحفز السياسات.

وتابع أن السبت البنفسجي يحتّم على المحطات والمنصات توفير خدمات الوصول، مثل الترجمة النصية ولغة الإشارة، والالتزام بمعايير التمثيل العادل في الدراما والبرامج الحوارية.

وأضاف أن الإعلام الذكي لا يروج لحدث يستمر يوماً واحداً فقط، بل يقدم متابعة لقصص النجاح، وتحليلاً لثغرات السياسات، وحوارات مع أصحاب القرار وذوي الخبرة.

وبيّن د. مدبولي أن تحويل السبت البنفسجي إلى فعل مستدام يتطلب تضافر الجهود عبر مسارات متعددة، في مقدمتها اعتماد مؤشرات أداء سنوية مرتبطة بإمكانية الوصول والتوظيف والاندماج المدرسي، على أن تُقاس كل عام وتُنشر علناً.

ودعا إلى وضع سياسات تحفيزية للقطاع الخاص، تشمل تقديم حوافز ضريبية أو امتيازات للمؤسسات التي تحقق نسب توظيف وتهيئة فعلية، إضافة إلى توفير تمويل للبرامج المحلية من خلال تقديم الدعم المباشر لمراكز التأهيل والتعليم الدامج وبرامج التدريب المهني للأشخاص ذوي الإعاقة.

وأشار إلى أهمية دمج التقنيات المساعدة، من خلال دعم استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المعززة ومواءمتها ضمن الخدمات الحكومية والخاصة، إلى جانب تنفيذ حملات تعليمية مستمرة وبرامج توعوية في المدارس والجامعات وأماكن العمل على مدار العام، وليس خلال يوم واحد فقط.

ووجّه د. مدبولي رسالة دعا فيها إلى تضمين التشريعات واشتراطات البناء والتراخيص التجارية معايير شمولية ملزمة، ودعم برامج التوظيف المدعومة والمستدامة.

كما دعا القطاع الخاص إلى اعتبار الشمولية جزءاً من استراتيجية الأعمال، وقياس أثر المبادرات التي تنفذها المؤسسات ونشره، بما يعزز الشفافية والمساءلة.

وطالب المجتمع المدني والمراكز المتخصصة بتعزيز شراكاتها مع القطاعين العام والخاص لتوفير خدمات مستدامة، والمساهمة في تصميم حلول تقنية ميسّرة.

ودعا وسائل الإعلام إلى الالتزام بمعايير التمثيل العادل وفاعلية الوصول إلى المحتوى، وتقديم تغطية متتابعة تتجاوز يوم الحدث.

وأوضح أن تأثير نسخة السبت البنفسجي لعام 2026 يمكن قياسه من خلال عدد من المؤشرات العملية، تشمل نسبة المنشآت التجارية والحكومية التي طبقت معايير الوصول، وعدد فرص التوظيف المعلنة والمحققة لذوي الإعاقة، ومدى توافر خدمات الترجمة النصية ولغة الإشارة في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.

وأضاف أن مؤشرات القياس تشمل أيضاً مدى النمو في استخدام التطبيقات المساندة والأنظمة الرقمية الخاصة بذوي الإعاقة، إلى جانب مؤشرات رضا الأسر والأشخاص ذوي الإعاقة عن مستوى الاستيعاب الاجتماعي في الفضاءات العامة.

واختتم مدبولي بالتأكيد على أن السبت البنفسجي 2026 لم يكن احتفالية فحسب، بل مرآة تقيس مدى تقدم المجتمع نحو تحقيق الدمج الفعلي، مشيراً إلى أن التحول من التعاطف السطحي إلى السياسات والممارسات التمكينية يتطلب جهداً منسقاً على مدار العام، وليس لحظة رمزية.

وقال: «الدعوة واضحة، فلنحوّل اللون البنفسجي من شعار يومي إلى لون حياة نعيشه في الشوارع والمؤسسات والمدارس وأماكن العمل، وفقط حين يصبح الشمول جزءاً من تصميم المجتمع والسياسة والسلوك، نكون قد حققنا خطوة جذرية نحو مجتمع لا يترك أحداً خلفه».