بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

سبحانَ ربِّي، وجلَّ في علاه، يُؤتي المُلكَ من يشاء، ويصرفُ السلطانَ كيف يشاء، ويُداولُ الأيامَ بين عباده، فلا يبقى مُلكٌ إلا بإذنه، ولا يزولُ سلطانٌ إلا بحكمه.

ليس أعجبَ في شؤونِ السلطان من سلطانٍ يخفى وهو يحكم، ويغيبُ وهو يحضر، ويصمتُ وهو يأمر. فالسلطةُ لا تُقاسُ بما يظهرُ من وجوهها، وإنما بما يستترُ من جذورها؛ إذ قد ترى الحاكمَ ولا ترى الحُكم.

هنالك تتقدَّمُ الصورةُ لتستر الحقيقة، ويعلو العنوانُ ليحجب المضمون، وتغدو الواجهةُ وطنًا للأبصار، بينما يستقرُّ القرارُ في موضعٍ لا تبلغه الأبصار.

وإذا بلغتِ السلطةُ هذا المبلغ، لم تعد تُعنى بمن يجلسُ على الكرسي، بقدرِ عنايتها بمن يُمسكُ بمفاتيحِ الكرسي؛ فلا يضيرُها أن تتبدلَ الأسماء، ما دامت الأهواءُ لا تتبدل، ولا يشغلُها أن تتعاقبَ الوجوه، ما دامت الوجهةُ واحدة. فهناك يصبحُ تداولُ السلطةِ تداولًا للأشخاص، لا تداولًا للقرار، ويغدو التغييرُ تبديلًا للستائر، لا تبديلًا للدار.

وعندئذٍ لا يعودُ السؤالُ: من يحكم؟ بل: من يُحرِّكُ من يحكم؟ ولا: من يتكلم؟ بل: من يكتبُ الكلام؟ ولا: من يوقِّع القرار؟ بل: من صاغ القرارَ قبل أن يبلغَ التوقيع؟ فليس كلُّ سلطانٍ يُرى سلطانًا، ولا كلُّ آمرٍ يُعرَفُ آمرًا؛ إذ قد تستترُ اليدُ حتى لا تُحاسَب، وتغيبُ العينُ حتى لا تُراقَب، ويختفي الرأسُ حتى يبقى الجسدُ وحده في مواجهةِ الناس.

ولعلَّ النظامَ الإيرانيَّ هو أوضحُ النماذجِ المعاصرةِ لهذه الجمهوريةِ المستترة؛ فقد أبقى للجمهوريةِ اسمَها، وللانتخاباتِ موسمَها، وللرئاسةِ مقامَها، ثم جعل فوق الجميع ولايةً لا تُزاحَم، وسلطةً لا تُنازَع، وقرارًا لا يُراجَع. فالرئيسُ يتبدل، والوزيرُ يتغير، والبرلمانُ يتشكل، غير أن اليدَ التي تُمسكُ بالبوصلةِ لا تتغير.

وهنا تُدركُ الولايةُ أن بقاءَها لا يكونُ بما تُعلن، بل بما تُضمر؛ ولا بما تُظهر، بل بما تُدبِّر. فتقيمُ للرأيِ منابرَه، ثم تُقيمُ فوقَ المنابرِ من يُحصي الأنفاس؛ وتفتحُ للدولةِ أبوابَها، ثم تُبقي مفاتيحَها في يدٍ غيرِ يدِها.

فلا تُخاصمُ المؤسسةَ ما دامت تُطيع، ولا تُعادي القانونَ ما دام يُطاوع، ولا تُنازعُ الحاكمَ ما دام يعلمُ أن سلطانَه مستعار، وإن تقدَّمَ في الصورة، بقي في الحقيقةِ تابعًا لا متبوعًا، ومأمورًا لا آمرًا.

ولعلَّ أخطرَ ما في المشهدِ الإيرانيِّ اليوم أنه لم يَعُد انتقالًا داخلَ الجمهوريةِ الولائية، بل انتقالٌ من جمهوريةٍ إلى أخرى؛ من الجمهوريةِ الولائيةِ الأولى، التي تبلورت في عهدِ الخميني وتابعه خامنئي، إلى الجمهوريةِ الولائيةِ الثانية، التي لم تَعُد تُديرها المؤسساتُ، ولا حتى صورةُ الوليِّ الفقيه كما عُرفت، بل طورٌ جديدٌ غدا فيه الحرسُ الثوريُّ عمودَ الدولة، وأضحى فيه التشددُ سياسةً، والسياسةُ أمنًا، والأمنُ عقيدةً، حتى غدت الجمهوريةُ تُدارُ من داخلِ أجهزتها، لا عبر مؤسساتها، وتُقاسُ بقوةِ قبضتها، لا بسعةِ دستورها.

ومن بينِ غبارِ هذا الطور، لا يخرجُ رجلُ دولة، ولا ينهضُ صاحبُ رأي، بل تُدفَعُ إلى الواجهةِ نسخةٌ متشددة، أعْرَافِي؛ تُعرَفُ ولا تُعرِّف؛ تُعرَفُ به المرحلةُ، ولا يُعرَفُ هو بمأثرة. أراد له صُنَّاعُ هذا الطور أن يكون عليَّ الجمهوريةِ الولائيةِ الثانية، كما كان علي خامنئي عليَّ الجمهوريةِ الولائيةِ الأولى؛ ليُوهِموا الناسَ أن المشروعَ باقٍ وإن تبدَّلت وجوهُه، وأن الاسمَ قادرٌ على أن يُورِّثَ الهيبةَ كما يُورِّثُ المنصب.

فإذا به لا يحملُ من السابق إلا ظلَّه الثقيل، ولا من الاسم إلا قشرَه البارد. وليس المشهدُ لذلك مجتبى الغائبِ أو المُغيَّب، الذي يُشارُ إليه ولا يظهر، ويُنتظرُ ولا يحضر؛ بل لهذا الذي يزحفُ من دفاترِ التشدد إلى صدرِ القرار، ليُعرِّف الجمهوريةَ الولائيةَ الثانية بما هي عليه: طورًا أضيقَ صدرًا، وأغلظَ وجهًا، وأشدَّ عسكرةً، وأفحشَ استغلالًا.

ففي عهده، كما في العهدِ الذي مهَّد له، لا تكونُ الثروةُ لتنميةِ وطن، بل لإحكامِ قبضةِ زمرة؛ ولا يكونُ الحرسُ جهازًا في دولة، بل دولةً فوق الدولة؛ ولا تبقى المؤسساتُ المدنيةُ إلا مجسَّماتٍ كرتونيةً تُعرَضُ للداخلِ والخارج.

ذلك لأن في الجمهورية الولائية الأولى بقية مساحةٍ للرئيس، وظلٌّ للبرلمان، وحركةٌ للحكومة، ولو تحت سقفٍ مرسومٍ وحدٍّ معلوم؛ أمّا في طورها الثاني، فقد ضاقت الولايةُ حتى بالظل، وضاق المتشددون من رجال الدين حتى بالصورة، فلم يعودوا يرضون بدولةٍ فوقها ولاية، بل أرادوا دولةً كلُّها ولاية؛ رأسُها من الحوزة، ويدُها من الحرس، ولسانُها من المؤسسات المدنية التي تُظهر ولا تُضمر، وتُعلن ولا تُقرِّر.

وتلك هي الجمهوريةُ الولائيةُ الثانية؛ ليست امتدادًا ساكنًا لجمهورية الخميني، ولا نسخةً مكررةً من جمهوريتها الأولى، بل طورٌ أشدُّ قبضًا، وأضيقُ صدرًا، وأقلُّ حياءً من الأقنعة المدنية.

وما أحوجَ عالمَنا اليوم إلى أن يُفرِّق بين الدولةِ والمشروع، وبين الوطنِ والتنظيم، وبين السلطةِ التي تستمدُّ مشروعيتَها من شعوبها، والسلطةِ التي تستمدُّ سلطانَها من وصايةٍ لا تعرفُ التداول.

فالدولُ لا يُطيلُ أعمارَها شدُّ القبضة، ولا تحفظُ سلطانَها كثرةُ الحرس، ولا تُورِّثُها الأقنعةُ عمرًا جديدًا. فما بُنِي على إقصاءِ الدولة، وإفراغِ المؤسسات، واحتكارِ السلطان، لا يلبثُ أن يحملَ في داخله أسبابَ فنائه. وقد تخرج جمهوريةٌ من رحم أخرى، ويشتدُّ بأسُها، ويعلو صوتُها، ويحسبُ أهلُها أنهم أحكموا البناء، غير أن الباطلَ لا يُحصِّنه تبدُّلُ أطواره، ولا يُطيلُ عمرَه تغيُّرُ وجوهِه؛ فما بُنِي على الباطلِ فهو باطل، وما قامَ بغيرِ الحقِّ فهو إلى زوال. «وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ».