حسن الستري

أكد مختصون في الشأن الأسري والقانوني أن الارتفاع المتواصل في نِسَب نجاح التوفيق الأسري خلال السنوات الأخيرة يعكس تطوراً إيجابياً في جهود إصلاح ذات البين، وارتفاعاً تدريجياً في إقبال الأسر على الحلول الودية قبل اللجوء إلى القضاء، مشيرين في الوقت ذاته إلى أن استمرار إحالة أكثر من نصف الملفات إلى المحاكم يؤكد الحاجة إلى مزيد من المبادرات الوقائية، وتوسيع برامج التأهيل والإرشاد الأسري، وتطوير آليات التوفيق بما يُسهم في الحد من النزاعات الأسرية وتعزيز استقرار الأسرة البحرينية.

وأظهرت أحدث الإحصاءات الصادرة عن وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف تسجيل 1236 حالة صلح خلال عام 2025، بما يمثل 44.4% من إجمالي الملفات التي صدر بشأنها قرار نهائي، مقابل 1547 حالة أحيلت إلى المحكمة المختصة لعدم التوصل إلى الصلح، بنسبة 55.6%، من أصل 2783 ملفاً.

من جهته، أوضح رئيس مكتب الصلح محمد بوحجي أن المكتب نجح في إنهاء ما يزيد عن ثلث القضايا المحالة إليه عن طريق الصلح بنسبة بلغت 41%، حيث استقبل المكتب 1067 قضية منذ إنشاء المكتب، وتمكّن من إنهاء 436 قضية منها عن طريق الصلح، مشيراً إلى أن قضايا الاعتداء على سلامة جسم الغير تصدرت القضايا المحالة إلى المكتب، تلتها قضايا السب والقذف.

وأضاف أنه منذ يناير من العام الجاري استقبل المكتب 247 قضية، وتمكّن من إنهاء 97 قضية منها عن طريق الصلح، محققاً نسبة صلح بلغت 39% خلال النصف الأول من العام.

وتكشف المقارنة مع عام 2024 استمرار التحسن في مؤشرات التوفيق الأسري، إذ ارتفع عدد حالات الصلح من 1164 حالة إلى 1236 حالة، بزيادة بلغت 72 حالة تعادل نحو 6.2%، كما ارتفعت نسبة الصلح من 40.6% إلى 44.4%، بزيادة قدرها 3.8 نقاط مئوية.

وفي المقابل، انخفض عدد الحالات المحالة إلى المحكمة من 1702 حالة إلى 1547 حالة، بتراجع بلغ 155 حالة، أي نحو 9.1%، كما تراجعت نسبتها من 59.4% إلى 55.6%.

كما تظهر المقارنة مع عام 2023 ارتفاع عدد حالات الصلح من 911 حالة إلى 1236 حالة، بزيادة بلغت 325 حالة، أي ما يقارب 35.7% خلال عامين، فيما ارتفعت نسبة الصلح من 37.6% إلى 44.4%، بزيادة قدرها 6.8 نقاط مئوية.

وفي المقابل، انخفضت نسبة الملفات المحالة إلى المحكمة من 62.4% في عام 2023 إلى 55.6% في عام 2025، وهو ما يعكس تحسناً تدريجياً في نجاح جهود التوفيق الأسري، رغم استمرار إحالة أكثر من نصف النزاعات إلى القضاء.

وقال المستشار الأسري الشيخ زياد السعدون إن الإحصائيات المنشورة من وزارة العدل والشؤون الإسلامية تشير إلى تحسن ملحوظ في نتائج التوفيق الأسري، وارتفاع نسبة حسم كثير من الخلافات قبل وصولها إلى ساحات القضاء، مؤكداً أن هذه المؤشرات تبعث على التفاؤل، وإن كان الطموح لا يزال أكبر للوصول إلى نتائج أفضل.

وأوضح أن هذا التحسن لا يقتصر على مكاتب التوفيق الأسري التابعة للمحاكم، بل يمتد كذلك إلى مراكز التوفيق والإرشاد الأسري في المراكز الحكومية والمراكز الخاصة، التي أصبحت تؤدي دوراً متنامياً في حماية الأسرة وتعزيز استقرارها.

وأشار إلى أن هذا التطور يعكس تغيراً إيجابياً في وعي المجتمع، موضحاً أنه في الماضي كان بعض الناس ينظرون إلى اللجوء للاستشارة الأسرية على أنه تدخل في الخصوصيات أو إفشاء لأسرار البيت، أما اليوم فقد بدأ هذا المفهوم يتغير، وأصبح كثيرون يدركون أن طلب المساعدة من المختصين ليس علامة ضعف، بل خطوة ناضجة للحفاظ على الأسرة قبل أن تتفاقم الخلافات.

وأضاف السعدون أن التوفيق الأسري لا يقتصر على تقديم الحلول، بل يعمل على مسارين متكاملين، يتمثل الأول في تهدئة التوتر بين الأطراف، بينما يقوم الثاني على البحث عن حلول عملية قابلة للاستمرار. وقال: «من واقع تجربتنا في مركز ود للاستشارات الأسرية، وجدنا أن شرح خريطة ما بعد الطلاق، وما يترتب عليها من آثار نفسية واجتماعية ومالية على الزوجين والأبناء، يدفع كثيراً من الأطراف المتعجلين إلى إعادة التفكير، واختيار الصلح المبني على التنازلات المتبادلة والتوافق، بدلاً من الدخول في نزاعات طويلة كان بالإمكان تجنبها».

وأكد أن الرهان يبقى على استمرار ارتفاع وعي المجتمع، وعلى تكامل جهود القطاعين الحكومي والخاص في نشر ثقافة الإرشاد والتوفيق الأسري، لأن ذلك سيكون، بإذن الله، من أهم أسباب خفض النزاعات الأسرية، وتقليل نسب الطلاق، وبناء أسر أكثر استقراراً، معرباً عن تفاؤله بأن السنوات المقبلة ستشهد وعياً مجتمعياً أكبر ونتائج أكثر إشراقاً للأسرة والمجتمع.

من جانبه، أكد رئيس مجلس أمناء مؤسسة مستقرة د. محسن الغريري إن ارتفاع نسبة نجاح التوفيق الأسري إلى 44.4% في عام 2025 يمثل مؤشراً إيجابياً يعكس تطوراً تدريجياً في التعامل مع النزاعات الأسرية قبل وصولها إلى القضاء، مرجحاً أن هذا التحسن لا يعود إلى عامل واحد، وإنما إلى مجموعة من العوامل المتكاملة.

وأوضح أن من بين هذه العوامل تراكم الخبرة لدى القائمين على التوفيق، وتحسن أساليب إدارة جلسات الحوار وتقريب وجهات النظر، إلى جانب السعي للوصول إلى حلول عملية ومتوازنة تراعي حقوق الأطراف وتحافظ، قدر الإمكان، على استقرار الأسرة ومصلحة الأبناء.

وأضاف أن تنامي وعي الأسر بأهمية التسوية الودية أسهم كذلك في هذا التحسن، إذ باتت شريحة أكبر من المجتمع تدرك أن الصلح لا يعني التنازل عن الحقوق، وإنما يمثل وسيلة أكثر مرونة وسرعة وأقل كلفة نفسية واجتماعية من استمرار النزاع أمام المحاكم، معتبراً أن النتيجة المسجلة تعكس تكامل تطوير آليات التوفيق مع ارتفاع الوعي المجتمعي، مع أهمية إجراء دراسات تحليلية للحالات التي انتهت بالصلح للتعرف بصورة أدق على العوامل الأكثر تأثيراً والبناء عليها لرفع نسب النجاح مستقبلاً.

وفيما يتعلق باستمرار إحالة 55.6% من الملفات إلى المحكمة، أوضح الغريري أن ذلك لا يعني بالضرورة ضعف إجراءات التوفيق الأسري، لأن نجاح الصلح يرتبط بدرجة استعداد الطرفين للتعاون وتقديم تنازلات متبادلة، بينما قد يدخل بعض الأطراف جلسات التوفيق وهم متمسكون بمواقف نهائية أو ينظرون إليها باعتبارها مجرد مرحلة إجرائية تسبق التقاضي.

وأضاف أن التسوية قد تتعثر بسبب تراكم الخلافات لفترات طويلة، وفقدان الثقة، وشدة الانفعال، وتدخل بعض أفراد الأسرة، إلى جانب الخلاف على المسائل المالية أو الحضانة والنفقة والسكن، وهي موضوعات تتصل بحقوق ومصالح متعارضة يصعب حسمها أحياناً بالتوافق.

وأشار إلى أن فرص الصلح تكون أقل، بوجه عام، في النزاعات التي وصلت إلى مراحل متقدمة من التصعيد، أو التي تتضمن ادعاءات بالعنف أو الإساءة أو الإضرار المتكرر، أو عندما توجد قضايا متعددة ومتداخلة بين الطرفين، أو يرفض أحدهما بصورة قاطعة استمرار العلاقة أو أي تسوية ودية، مؤكداً في الوقت ذاته أنه لا يمكن الجزم بأن نوعاً محدداً من النزاعات محكوم عليه بالفشل، لأن لكل حالة ظروفها الخاصة. وشدد على أهمية تحليل الملفات التي لم تنته بالصلح وتصنيف أسباب التعثر، بما يمكن من تطوير أدوات تدخل أكثر تخصصاً والتعامل المبكر مع الحالات قبل استفحال النزاع.

وأكد د. الغريري أن رفع نسبة نجاح التوفيق الأسري مستقبلاً يتطلب الانتقال من التعامل مع النزاع بعد وقوعه إلى منظومة متكاملة تجمع بين الوقاية والتدخل المبكر والتسوية المتخصصة. وقال إن من أهم الخطوات في هذا الجانب تعزيز برامج التوعية والتدريب والتأهيل للمقبلين على الزواج، وعدم الاكتفاء بالمعلومات العامة، وإنما تقديم برامج متكاملة تشمل الجوانب النفسية والاجتماعية والشرعية والقانونية والمالية والصحية، إضافة إلى مهارات التواصل وإدارة الخلافات وتوزيع المسؤوليات والتعامل مع الضغوط الأسرية.

وأضاف أنه من المناسب دراسة إيجاد إطار تنظيمي يجعل اجتياز برنامج تأهيلي معتمد من المتطلبات السابقة لإتمام الزواج، على أن تكون هذه البرامج عملية ومبنية على أسس علمية، وألا تتحول إلى مجرد إجراء شكلي أو شهادة حضور، لأن التأهيل المبكر يسهم في تصحيح التصورات غير الواقعية عن الحياة الزوجية، ويمنح الطرفين أدوات تساعدهما على إدارة الخلافات قبل أن تتحول إلى نزاعات يصعب احتواؤها.

وتابع أن التأهيل ينبغي ألا يبدأ عند اقتراب موعد الزواج فقط، بل يمكن إدراج التوعية بالعلاقات الأسرية ومهارات الحياة الزوجية ضمن البرامج الجامعية والأنشطة الشبابية، باعتبار أن المرحلة الجامعية من أنسب المراحل لبناء الوعي والاستعداد لتحمل المسؤولية، مع إمكانية تقديم مقررات اختيارية أو ورش تدريبية للشباب تتناول اختيار شريك الحياة، والذكاء العاطفي، والتواصل، والتخطيط المالي، والحقوق والواجبات، والتربية الوالدية.

كما دعا إلى تطوير آليات التوفيق من خلال زيادة تأهيل الموفقين في الجوانب القانونية والنفسية والاجتماعية، وتخصيص مسارات تتناسب مع طبيعة كل نزاع، والاستعانة بالاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين في الحالات التي تتطلب ذلك، مع تقليل الفاصل الزمني بين تقديم الطلب وبدء جلسات التوفيق، لأن التدخل المبكر يحد من تصاعد الخلاف وتصلب مواقف الأطراف.

وأشار إلى أهمية إنشاء قاعدة بيانات تحليلية ترصد أسباب نجاح الصلح وأسباب تعثره، وتصنف النزاعات بحسب موضوعاتها ودرجة تعقيدها، بما يساعد على تطوير نماذج تدخل أكثر دقة، إلى جانب تعزيز التعاون بين الجهات القضائية والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والمراكز الأسرية لتنفيذ برامج الوقاية والإرشاد والمتابعة، مؤكداً أن الهدف ليس فقط تقليل عدد القضايا التي تصل إلى المحاكم، وإنما بناء أسر أكثر استعداداً ووعياً، والوصول عند وقوع الخلاف إلى تسويات عادلة ومستدامة تحفظ الحقوق، وتحد من الآثار النفسية والاجتماعية للنزاع، وتضع مصلحة الأبناء واستقرار الأسرة في مقدمة الأولويات.

من جانبها، قالت المحامية حميدة القيسي إنها لا ترى تغيراً في آليات التوفيق الأسري، معتبرة أن المشوار الطويل وطبيعة إجراءات التقاضي قد يدفعان المتقاضين إلى تفضيل التسوية الودية بدلاً من الانخراط في مسار المحاكم، فيما رأت أن مستوى الوعي لدى الأسر والآباء يشهد تراجعاً، وهو ما يعد، بحسب تقديرها، سبباً جوهرياً في زيادة النزاعات الأسرية.

وأضافت أن بعض الأطراف، وربما الغالبية في بعض الحالات، تكون لديهم نزعة انتقامية تجاه الطرف الآخر، وقد يستمر ذلك حتى بعد وقوع الطلاق، إذ يتم إقحام الأبناء في الخلافات واستخدامهم وسيلة للضغط والانتقام، فضلاً عن عدم انتشار ثقافة كافية لدى الآباء والأسر بشأن الحقوق والالتزامات، الأمر الذي يقود إلى نزاعات تنشأ من دون وعي أو بصيرة، وينعكس سلباً على فرص نجاح التوفيق الأسري.

وحول وجود أنماط معينة من النزاعات تقل فيها فرص الصلح، أوضحت القيسي أنها لا تعتقد أن الأمر يرتبط بنوع محدد من القضايا أو النزاعات، وإنما تختلف كل حالة عن الأخرى بحسب ظروفها ومدى استعداد أطرافها للتوصل إلى تسوية.

ودعت إلى نشر ثقافة أوسع بحقوق الأزواج وواجباتهم من خلال تنظيم محاضرات أو دورات تسبق الزواج، معتبرة أن ذلك من شأنه الإسهام في تقليل عدد القضايا المنظورة أمام المحاكم. كما رأت أن تعيين موظفين مختصين في الشؤون الاجتماعية والأسرية ضمن منظومة التوفيق من شأنه أن يسهم في حل النزاعات بصورة أكثر فاعلية، مضيفة أنه ليس من الضروري عرض جميع القضايا على التوفيق الأسري، إذ توجد حالات يكون فيها واضحاً منذ البداية عدم وجود إمكانية حقيقية للصلح، ولذلك قد يكون من المناسب دراسة جعل اللجوء إلى التوفيق اختيارياً في بعض الملفات، بحيث يقتصر على الحالات التي تتوافر لدى أطرافها رغبة جادة في التسوية والوصول إلى اتفاق.