قال وزير الداخلية الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، إن الاعتداءات الإيرانية الإرهابية ليست حرباً على الحدود، بل تشمل جميع مناطق البحرين، متسائلاً: «كيف تكون هناك علاقة تعاون مع نظام استباح أمننا وسيادتنا، وهدد حاضرنا ومستقبلنا؟»، مؤكداً أن المملكة كشفت نوايا ومخاطر فكر «ولاية الفقيه»، وأفشلت مخططاته الهدامة، بعدما أوجد هذا الفكر المتطرف مفاهيم سلبية مرفوضة، من بينها ما يسمى بـ«الوطنية الموازية»، التي لا مكان لها في بلد الأصالة والولاء والانتماء الوطني.
وعقد وزير الداخلية، لقاء حواريا مع رؤساء تحرير الصحف المحلية، تناول خلاله عدداً من الملفات الأمنية والوطنية ذات الصلة بمخاطر الفكر المرتبط بولاية الفقيه، وتداعيات المحاولات الإيرانية للتأثير على استقرار مملكة البحرين، إضافة إلى جهود الوزارة في تعزيز الوعي الوطني والأمن المجتمعي.
وأشاد وزير الداخلية بقيادة وحكمة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، والتي تمثل الإطار الوطني الجامع الذي يلتف حوله الشعب بكل أطيافه، مشدداً على أن أمن الوطن وسيادته واستقراره مرتكزات لا مساومة عليها، وأن من يتجاوز هذه الحدود يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع القانون والدولة.
وأشاد بالإجراءات التي تتخذها الحكومة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وتعاطيها مع ظروف المرحلة الصعبة من خلال منظومة ورؤية شاملة ومتطورة، تقومان على تعزيز الجاهزية الوطنية وتضافر الجهود الحكومية والوطنية.
وأشار إلى أن الجهات الأمنية كانت تتعامل سابقاً مع التنظيم الإرهابي بوصفه «تنظيماً ظاهراً»، بينما تتعامل اليوم مع تنظيم سري يجمع الأموال بطرق خفية، ويستخدمها لدعم من يعملون على زعزعة الاستقرار، موضحاً أن مشروع «ولاية الفقيه» سياسي عابر للحدود، ركز على إبعاد المؤسسات الدينية والأهلية عن سلطة الدولة، واستغل جمع المال بطريقة غير شرعية لمكافأة المناوئين لها.
وتابع أن مواجهة «الوطنية الموازية» تتطلب ضبط الخطاب الديني والتحصين الفكري، إلى جانب التكامل بين الأسرة والمدرسة والمنبر والإعلام والدورين الأمني والقانوني، لافتاً إلى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإفشال مخططات تنظيم «ولاية الفقيه» وضبط عناصره، والقبض على الوكلاء العاملين لمصلحة الحرس الثوري الإيراني. وأكد أن القبض على هؤلاء الوكلاء جاء نتيجة خبرات أمنية وعمل متراكم سبق محاولات الاستهداف، ولم يكن لاحقاً لها، كاشفاً عن توجهات متعلقة بتشديد العقوبات على جرائم الخيانة والتخابر.
وأوضح أن استراتيجية وزارة الداخلية لمواجهة الفكر المتطرف ترتكز على رصد الأفكار المتطرفة في مراحلها الأولى، وتجفيف مصادر تمويلها، وتحصين المجتمع منها، مشيراً إلى أن ما كان يعرف بـ«المجلس العلمائي» تجاوز إطاره الديني المعلن، وتحول إلى واجهة ذات غطاء ديني لمشروع سياسي فوضوي عابر للحدود، وتم التعامل معه في إطار القانون لحماية المجتمع والمكون الشيعي من محاولات الاختطاف والتوظيف السياسي.
وكشف أن القبض على عناصر التنظيم الرئيس المرتبط بـ«ولاية الفقيه» والحرس الثوري الإيراني أحبط مخططاً لإرباك الدولة وتكوين جبهة مناوئة تدين بالولاء للخارج، موضحاً أن عناصر التنظيم جمعوا أموالاً كبيرة وأخفوها في منازلهم لتمويل أعمال الإرهاب وإرسالها إلى الخارج لأغراض إرهابية. كما عملوا على استهداف الشباب والناشئة ودفعهم إلى التورط في أعمال يجرّمها القانون، وبناء عناصر موالية للحرس الثوري وتدريبها في معسكرات على استخدام الأسلحة والمتفجرات وتنفيذ أعمال التهريب، إلى جانب اختراق التعليم والإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وشن حملات تضليل إعلامي وتأجيج الطائفية داخل المجتمع البحريني.
وشدد على أن الإجراءات الأمنية تستهدف تنظيمات سياسية مرتبطة بالخارج، ولا تستهدف طائفة أو مكوناً اجتماعياً، مؤكداً أن المكون الشيعي في البحرين جزء أصيل من النسيج الوطني، وسابق تاريخياً لهذه التنظيمات، وأوسع من أن يُختزل فيها. وأوضح أنه لا يُحاسب أي شخص على معتقده الديني، بينما يخضع للمساءلة كل من يوظف المعتقد لخدمة ولاء سياسي خارجي أو الترويج لجماعات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
وأكد أن دور العبادة تحظى بمكانتها الدينية والاجتماعية، لكن لا يجوز تحويلها إلى منصات للتعبئة السياسية أو التجنيد الفكري أو نقل الأجندات الخارجية إلى المجتمع، مشيراً إلى أن البحرين تجاوزت النقاشات الطائفية، وأن وعي المواطنين أفشل محاولات زعزعة الثقة الوطنية. ولفت إلى أن الاندماج الوطني والوعي المجتمعي يشكلان خط الدفاع الأول في مواجهة مخططات العزل الطائفي الإيرانية، وأن الأمن المجتمعي ركيزة أساسية لصون الوحدة الوطنية وقيم التعايش والتسامح والتعددية في المملكة.
وبيّن أن قرار منع السفر إلى إيران والعراق جاء في إطار وقائي لحماية المواطنين، وخصوصاً الشباب، ومنع توظيف السفر لأغراض التدريب أو التمويل أو التعبئة أو التواصل مع جهات معادية. وأكد أن الوعي الرقمي أصبح مكوناً أساسياً من مكونات الأمن الوطني في مواجهة الاستقطاب والتضليل والتمويل الإلكتروني، موضحاً أن تعامل الوزارة مع الجرائم الإلكترونية يقوم على الرصد المبكر والتحليل الفني والاستجابة «اللحظية»، انطلاقاً من مبدأ التحصين قبل الاختراق.
ونبّه إلى أن تأخر المعلومة الرسمية يفسح المجال أمام الشائعات والتضليل، مؤكداً أن خطة الوزارة في إدارة الأزمات تقوم على المبادرة والدقة من دون تسرع، مع تعزيز دور الإعلام الأمني في توضيح الحقائق وبناء المناعة المجتمعية، خصوصاً في ظل تنامي مخاطر المحتوى المضلل الناتج عن الاستخدام غير المسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وشدد على أن الظروف الاستثنائية والاعتداءات الآثمة والتهديدات العابرة للحدود تتطلب من دول مجلس التعاون الانتقال من مرحلة التعاون والتنسيق إلى التكامل الأمني، وتعميق تبادل المعلومات وتوحيد آليات الاستجابة بين الأجهزة الأمنية الخليجية، بما يواكب سرعة تطور أدوات الخطر ويحقق أعلى درجات الجاهزية الجماعية.
وفي شأن زيارته الأخيرة إلى سوريا، قال وزير الداخلية إنه نقل رسالة أخوية من جلالة الملك المعظم إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، أكد فيها جلالته دور الجمهورية العربية السورية في محيطها العربي وحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة. وأضاف أنه تم الاتفاق على تفعيل التعاون الأمني بين البلدين، ومواصلة التشاور والتواصل والتنسيق وتبادل الخبرات. وإلى نص المقابلة:
ما يزال العدوان الإيراني الآثم، يواصل توجيه صواريخه ومسيراته إلى البحرين ويرتكب جرائم حرب بحق المواطنين والمقيمين، ويستهدف البنية التحتية المدنية دون مراعاة لحقوق الجيرة .. ما هي رؤيتكم ؟
- البحرين، بلد نهجه السلام، ولم يعتد على إيران، الأمر الآخر أن البحرين محدودة المساحة جغرافياً، ولذلك فإن هذه الاعتداءات الإيرانية الإرهابية، ليست حربا على الحدود، وإنما تشمل كل مناطق البحرين بدون استثناء. وبهذا الاستهداف الآثم، فإن إيران قد اعتدت على مبادئ حسن الجوار، فكيف تكون هناك علاقة تعاون مع نظام استباح أمننا وسيادتنا، وهدد حاضرنا ومستقبلنا، واستهدف وحدتنا الوطنية ونسيجنا الاجتماعي؟ وقد تعاملنا مع وكلاء إيران، وأفشلنا فكرهم ومخططاتهم واستجمعنا وطنية وولاء أهل البحرين قاطبة في مواجهة تلك الاعتداءات الإيرانية الآثمة.
التعامل الأمني في ظل هذه الظروف الطارئة، مسألة بالغة الدقة والتعقيد ولها مرتكزات وثوابت أمنية.. ما هي أهم تحديات العمل الأمني في هذه المرحلة الدقيقة؟
- بداية، فإن حكمة وقيادة جلالة الملك المعظم، تمثل الإطار الوطني الجامع، الذي يلتف حوله الشعب بكل أطيافه، ويعمل على أساسه، في إطار تعزيز قوة الدولة وصون هيبتها. وقد مكنت توجيهات جلالته، البحرين من ترسيخ مكانتها وقوتها وقدراتها على التعامل بكفاءة ومهنية مع هذه الظروف الطارئة من خلال بناء منظومة استراتيجية متطورة على مدار السنوات الماضية، باعتبار أن أمن الوطن وسيادته واستقراره، مرتكزات لا مساومة عليها، وكل من يتجاوز هذه الحدود، يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع القانون والدولة.
كما أود الإشادة بالإجراءات الشاملة التي تتخذها الحكومة الموقرة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، ودورها في مواجهة ظروف هذه المرحلة الصعبة من خلال منظومة ورؤية متطورة وحاسمة، تعتمد على تعزيز الجاهزية الوطنية وتضافر الجهود الحكومية والوطنية لمواجهة مختلف التحديات والمستجدات بجاهزية عالية.
وهنا أتوقف مع مسألة محددة على سبيل المثال لا الحصر لكنها تؤكد أن التحديات الراهنة أصبحت أكثر تعقيداً، فقد كنا في السابق نتعامل مع التنظيم الإرهابي على أنه "تنظيم ظاهر" أما الآن فيتم التعامل مع تنظيم سري يركز على جمع المال بطرق سرية واستخدامها لدعم من يعمل على زعزعة الاستقرار.. يقومون بعمل مناوئ للدول، ويعملون على السيطرة على المؤسسات الدينية وإبعادها عن إشراف ورقابة الأجهزة الرسمية، وبموازاة ذلك يتم العمل على السيطرة على توجهات وأفكار ومشاعر المواطنين من خلال الخطاب المتطرف والتحريضي.
ومن خلال التجربة والخبرات الأمنية المتراكمة، يمكنني القول إن بناء الأمن المستدام، لا يتحقق بمنطق ردود الأفعال المؤقتة، وإنما عبر رؤية استراتيجية طويلة المدى، بعقلية الدولة التي قوامها الاعتدال، وسيادة القانون، والنظر إلى الأمن باعتباره مسؤولية عامة، تشمل المؤسسات والتشريعات والمجتمع والوعي العام. فالأمن الحقيقي يتحقق عبر بناء مؤسسات قوية تسهم في تعزيز الثقة المجتمعية، ودعم الاستقرار.
وصف معاليكم "الوطنية الموازية" بأنها إحدى نتائج فكر ولاية الفقيه... كيف يمكن للمؤسسات الرسمية والمجتمعية تحصين الشباب من الولاءات الأيديولوجية العابرة للحدود؟
- تمكنت مملكة البحرين وبفضل الله من الكشف عن نوايا ومخاطر هذا الفكر المتطرف الذي أوجد بطبيعته مفاهيم سلبية مرفوضة، من بينها ما يسمى بـــ "الوطنية الموازية" والتي لا مكان لها في ظل الإخلاص والانتماء الوطني، ويتطلب مواجهتها ضبط الخطاب الديني، والتحصين الفكري والتعاون بين الأسرة والمدرسة والإعلام، إلى جانب الدورين الأمني والقانوني. فالأسرة تمثل نقطة الانطلاق في غرس الانتماء، والمدرسة ترسخ مفهوم السيادة، والمنبر الديني يقدم خطاباً توعوياً رشيدا، والإعلام ينقل الحقيقة بمصداقية. وحين تكتمل هذه الأدوار، يتحول الانتماء إلى سلوك راسخ لا مجرد شعار.
وفي هذا السياق، فإنني أشيد بدور وزارة التربية والتعليم في بناء أجيال وطنية من خلال نهج تربوي مدروس كما أشيد بدور وزارة الإعلام في تعزيز الاصطفاف والولاء الوطني، وكذا وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف خاصة فيما يتعلق بموضوع ضبط الخطاب الديني.
في ظل استمرار محاولات بعض الأطراف الخارجية التأثير على استقرار الدول عبر مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود، وما استراتيجية الوزارة لإحباط تصدير الفكر المتطرف المرتبط بإيران؟
- يمثل مشروع ولاية الفقيه، في بعده السياسي العابر للحدود، توجها يتجاوز إطار الاجتهاد الفقهي أو المذهبي، وتكمن خطورته في سعيه لخلق كيانات خارج إطار الدولة، حيث عمل على إبعاد المؤسسات الدينية والأهلية عن سلطة الدولة، واستغل جمع المال بطريقة غير شرعية لمكافأة المناوئين للدولة.
ما يسمى بــــ"المجلس العلمائي" أحدث تأثيراً سلبياً على بعض الشباب، واستطاعت إجراءات وزارة الداخلية إحباط هذا المخطط. نريد إلقاء الضوء على الإجراءات المتخذة؟
- تقوم استراتيجية وزارة الداخلية في هذا الشأن على ثلاثة محاور: رصد الأفكار المتطرفة في مراحلها الأولى، وتجفيف مصادر تمويلها، وتحصين المجتمع منها. وما كان يعرف بـ"المجلس العلمائي" والمنحل قضائياً قبل عدة سنوات، وأنه كان تنظيماً غير رسمي، وقد تجاوز إطاره الديني المعلن ليتحول إلى واجهة تحمل غطاءً دينياً لمشروع سياسي فوضوي عابر للحدود، عبر تشويه الوعي المستنير وإضعاف الوحدة الوطنية، وقد تم التعامل معه في إطار القانون بهدف حماية المجتمع والمكون الشيعي في البحرين من محاولات الاختطاف والتوظيف السياسي.
هل تواجه البحرين نوعاً من الحرب الناعمة التي تستهدف العقول والولاء الوطني، وما الدور المطلوب من الدولة والأسرة والمدرسة والمجالس الأهلية ورجال الدين لتحصين الشباب؟
- تظهر المعطيات وجود محاولات تستهدف تشكيل الوعي والولاء لدى الشباب عبر أدوات غير مباشرة، كالمحتوى التعليمي أو المنشورات أو الخطاب الذي يقدم في ظاهر النصح، ويحمل مضموناً مغايراً.
وتتطلب مواجهة هذا النمط تعاوناً بين الدولة والأسرة والمدرسة والمجالس الأهلية ورجال الدين. وتفرق الدولة في تعاملها مع المتأثرين بهذا الخطاب بين من تعرض للتضليل، ويحتاج لتصحيح الوعي، ومن اختار هذا المسار بإرادته، بحيث تتحدد المعالجة وفق طبيعة كل حالة. ومن يتمادى يتم محاسبته بالقانون.
إلى أي مدى يتحمل المثقفون والمفكرون والأكاديميون مسؤولية وطنية في الدفاع عن الهوية البحرينية في مواجهة محاولات فرض أجندات خارجية؟
- يضطلع المثقفون والمفكرون والأكاديميون بدور مباشر في مواجهة مشاريع التبعية، باعتبارها معركة مفاهيم وهوية وذاكرة وطنية، لا معركة أمنية فقط. في الواقع، هذا هو الدور الإيجابي للمثقف: الالتزام تجاه وطنه.
وتقتضي هذه المسؤولية توضيح الحقائق ومواجهة الشبهات بالحجة والمعرفة، بما يسهم في ترسيخ فهم إيجابي للوطنية باعتبارها التزاماً ثابتاً. البحرين تجل مفكريها ومثقفيها، وتعول عليهم في التوعية والتنوير.
أشرتم إلى تغلغل تنظيم ولاية الفقيه في المساجد والمآتم وتحويل بعضها لمراكز تجنيد. ما الإجراءات والضوابط لمنع تكرار ذلك؟
- تحظى المساجد والمآتم بمكانتها الدينية والاجتماعية، وتحرص الدولة على صون شعائرها دون تضييق. وفي المقابل، لا يجوز – وفق القانون - تحويل دور العبادة وغيرها إلى منصات للتعبئة السياسية أو التجنيد الفكري أو نقل أجندات خارجية إلى المجتمع.
وتقوم الإجراءات على التنظيم والمتابعة والتنسيق والمحاسبة، مع تحميل القائمين على هذه المواقع مسؤولية صونها من الاختراق. ويضطلع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ومجلس شؤون الأوقاف الإسلامية بدور رئيسي في هذا الإطار.
هناك من يحاول تصوير الإجراءات الأمنية وكأنها موجهة ضد طائفة أو مكوّن اجتماعي. كيف تردون على هذا الطرح، وكيف يتم الموازنة بين الأمن الوطني وحماية الحقوق والحريات؟
- هذا الطرح غير دقيق؛ فالإجراءات الأمنية المتخذة، موجهة إلى تنظيمات سياسية مرتبطة بالخارج، حفاظاً على ترابط وتماسك المجتمع والمكون الشيعي في البحرين جزء أصيل من النسيج الوطني، سابق تاريخيا لهذه التنظيمات، وأوسع من أن يُختزل فيها.
وفي الواقع، فإننا نفرق بين الرأي والتحريض، وبين الممارسة الدينية والتسييس، وبين المخالفة الفردية والتعميم على المكونات الاجتماعية، بما يحقق التوازن بين حفظ الأمن وصون الحقوق والحريات المكفولة دستورياً. كل محاولات زعزعة الثقة الوطنية وبناء سردية دعائية ضد الإجراءات الأمنية التي تهدف أساساً لحماية المجتمع البحريني، لم يستوعب إلى الآن، أن البحرين تجاوزت هذه النقاشات الطائفية، وأن المواطن على درجة كبيرة من الوعي.
كيف تتعاملون مع سياسة إيران التي تهدف إلى تحقيق العزل الطائفي؟
- باختصار شديد فإن منهجنا في مواجهة هذا التحرك يتم من خلال سياسة راسخة قائمة على الاندماج الوطني بين جميع المواطنين دون تمييز، وتحرص وزارة الداخلية على رصد أي محاولات خارجية للترويج للعزل الطائفي، وتتعامل معها في مراحلها الأولى، بما يحول دون أن يكون لأي استهداف خارجي أي تأثير فعلي على تماسك النسيج الاجتماعي البحريني. إضافة إلى ذلك، فإن الوعي الوطني الراسخ لدى المواطنين يشكل خط الدفاع الأول الذي يفشل مثل هذه المحاولات. والهدف المكمل لسياسة العزل الطائفي يتمثل في محاولات زعزعة الثقة الوطنية من خلال التعامل مع هذه المخططات، والتي زادت في حقيقتها من قوة وصلابة الولاء لسيدي حضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه.
ذكرتم معاليكم أن عناصر تنظيم ولاية الفقيه عملوا على اختراق التعليم والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. هل سيعلن قريبا عن جهات أو منصات تستغل لنشر هذا الفكر؟
- تخضع أي جهة أو منصة تعليمية أو إعلامية يثبت استغلالها لنشر فكر ولاية الفقيه للمتابعة والإجراءات القانونية اللازمة، استنادا إلى الأدلة الثابتة. وبمجرد اكتمال أعمال البحث والتحري وثبوت المسؤوليات، يأخذ القانون مجراه، بما يحقق التوازن بين حماية أمن المجتمع وصون حقوق الأفراد.
أعلنت وزارة الداخلية القبض على 41 شخصاً ضمن التنظيم الرئيسي المرتبط بولاية الفقيه والحرس الثوري الإيراني، ولاحقاً جرى الحديث عن أدوار ميدانية تنفيذية. هل نحن أمام تنظيم هرمي منظم، وما الذي تكشفه هذه القضية عن خطورته؟
- شكلت الجهود الأمنية خطوة استباقية لإفشال هذه المخططات الإرهابية، حيث تم القبض على عناصر التنظيم الرئيسي المرتبط بولاية الفقيه والحرس الثوري الإيراني وهم وكلاء إيران في البحرين والذين عملوا بشكل سري على نشر فكر ولاية الفقيه من خلال مخطط يهدف إلى إرباك الدولة وتكوين جبهة مناوئة تدين بالولاء للخارج، كما عملوا على التأثير في المواطنين، وخاصة الشباب والناشئة بغرض دفعهم للتورط في أعمال يجرّمها القانون، مستغلين في ذلك أساليب التوغل الاجتماعي وزرع خلايا تنفذ أجندات كيانات غير مشروعة. كما عملوا على جمع أموال كبيرة وإخفائها في منازلهم لاستخدامها في تمويل أعمال الإرهاب وإرسالها للخارج لأغراض إرهابية، ناهيك عن تضخيم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وبناء عناصر موالية للحرس الثوري الإيراني وتدريبهم في معسكرات على استخدام الأسلحة والمتفجرات التي ساعدتهم في تنفيذ أعمال التهريب بجانب اختراق التعليم والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر فكر ولاية الفقيه فضلاً عن حملات التضليل الإعلامي وتأجيج الطائفية داخل المجتمع البحريني.
حققت وزارة الداخلية نجاحات بارزة، حيث تمكنت من القبض على مجموعات إرهابية تعمل لصالح الحرس الثوري الإيراني. نريد إلقاء الضوء على تلك النجاحات؟
- جاءت هذه الإجراءات، نتيجة خبرات أمنية متراكمة ومتابعة مستمرة، وهذه الجهود الأمنية كانت سابقة على محاولات الاستهداف، وليست لاحقة لها. وأسهمت هذه العمليات في حماية الأرواح والممتلكات وتأمين المنشآت الحيوية، مؤكداً أن البحرين تتعامل مع أي محاولة للمساس بأمنها بجاهزية ويقظة مستمرة على مستوى استباقي من الاحترافية.
نريد إلقاء الضوء على الإجراءات القانونية والأمنية المفروضة على أي شخص أو جهة تبدي تأييداً أو ترويجاً لفكر ولاية الفقيه أو الجماعات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني؟
- القانون واضح في هذا الإطار. حيث تخضع للمساءلة القانونية، كل الأفعال التي تتجاوز نطاق الرأي إلى التحريض أو الترويج لتنظيمات محظورة، أو دعم جهات معادية، أو جمع الأموال بدون ترخيص، أو التواصل والتجنيد لصالحها.
ولا يحاسب أي شخص على معتقده الديني، بينما يخضع للمساءلة كل من يوظف المعتقد لخدمة ولاء سياسي خارجي أو الترويج لجماعات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، أو أياً كانت الجهة.
أشرتم إلى أن الاستثمار في التعليم والوعي والثقافة الرقمية يمثل خط دفاع رئيسيا، فما البرامج التي تنفذها وزارة الداخلية لتعزيز الوعي الأمني والرقمي لدى الشباب؟
- انتقلت مصادر الخطر التي تواجه الشباب من الفضاء المادي إلى الفضاء الرقمي، عبر المنصات والحسابات المجهولة والمحتوى الموجه الذي يوظف أساليب إقناع غير مباشرة. ومن هنا يشكل الوعي الرقمي مكوناً أساسياً من مكونات الأمن الوطني. وتقوم برامج الوزارة في هذا المجال على التوعية، وتعزيز الثقافة القانونية، وتوضيح أساليب الاستقطاب والتضليل والتمويل الإلكتروني، بالشراكة مع مؤسسات التعليم والإعلام والمجتمع المدني، بهدف تمكين الشباب من التمييز بين الخبر والشائعة، وبين الرأي والتحريض. وللوزارة خبرة متراكمة في هذا المجال ، ولهذا الملف عناية بالغة لدى الإدارة المعنية بالوزارة.
كيف تطور دور وزارة الداخلية في مجال الأمن الإلكتروني؟
- أصبح الأمن الإلكتروني أحد المجالات الأساسية للسيادة الوطنية، بعد أن تعددت مصادر الخطر لتشمل الشبكات والحسابات الرقمية والتحويلات المالية الإلكترونية والحملات المعلوماتية. وتطور دور وزارة الداخلية في هذا المجال ليشمل الرصد والتحليل ومكافحة الجرائم الرقمية وحماية المجتمع من الاستغلال الإلكتروني.
ويقوم التعامل مع الجرائم الإلكترونية على الرصد المبكر والتحليل الفني وسرعة الاستجابة التي أصفها بـ "اللحظية" والتنسيق بين الجهات المختصة، انطلاقاً من مبدأ التحصين قبل الاختراق.
كيف يتم التعامل مع محاولات التأثير الخارجي على الشأن الداخلي البحريني؟
- قد تتخذ محاولات التأثير الخارجي ، أشكالا غير مباشرة، عبر الإعلام أو التمويل أو المنظمات أو الخطاب الديني أو الحسابات الرقمية، وتتعامل الأجهزة الأمنية معها وفق منهجية متكاملة، تمهيداً لاتخاذ الإجراء القانوني المناسب.
أصدرت وزارة الداخلية قراراً بمنع السفر إلى إيران والعراق. هل هناك توجه لإضافة دول أخرى، وما خلفيات القرار؟
- جاء قرار منع السفر إلى بعض المناطق في إطار وقائي يهدف إلى حماية المواطنين والشباب خصوصاً، ومنع توظيف السفر في أغراض التدريب أو التمويل أو التعبئة أو التواصل مع جهات معادية. وتخضع إضافة أي دول أخرى لتقدير الجهات المختصة استنادا إلى المعطيات الأمنية، بما يحقق مبدأ الوقاية قبل وقوع الضرر.
في ظل تصاعد التهديدات العابرة للحدود، هل ترون حاجة لرفع مستوى التعاون الأمني الخليجي المشترك عما هو قائم حاليا؟
- هذه الظروف الاستثنائية والتحديات التي قمنا بها إنما تتطلب من دول مجلس التعاون الانتقال من حالة التعاون والتنسيق إلى حالة التكامل الأمني، حيث إن طبيعة التهديدات المتغيرة تفرض الاستمرار في تطوير هذه المنظومة، لا الاكتفاء بمستواها الحالي. فالتهديدات المشتركة، من التمويل غير المشروع إلى شبكات التجنيد العابرة للحدود، وصولاً إلى التطورات الأخيرة، تستدعي تكاملاً أكثر عمقاً في تبادل المعلومات وتوحيد آليات الاستجابة بين الأجهزة الأمنية الخليجية. وتعمل وزارة الداخلية بشكل مستمر مع نظيراتها في دول مجلس التعاون على تعزيز هذا التكامل، عبر آليات مشتركة للرصد والتحليل، بما يواكب سرعة تطور أدوات الخطر، ويحقق أعلى درجات الجاهزية الجماعية. وقد أدركت دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال التاريخ والتجارب الحية، أن مناعتنا القوية تستمد من قدرتنا على تنسيق المواقف والرؤى.
في ضوء زيارتكم الأخيرة إلى سوريا، كيف تقيمون مخرجات الزيارة وانعكاساتها على مسار التعاون الأمني الثنائي؟
- جاءت هذه الزيارة من منطلق حرص مملكة البحرين على تعزيز علاقات التعاون مع الجمهورية العربية السورية، بما يخدم المصالح المشتركة، ويسهم في دعم جهود الاستقرار الإقليمي. وقد نقلت خلال الزيارة رسالة أخوية من حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم إلى أخيه فخامة الرئيس أحمد الشرع، مؤكداً على دور الجمهورية العربية السورية في المحيط العربي وحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، وكانت هناك فرصة للقاء معالي وزير الداخلية ومعالي وزير الطوارئ وإدارة الكوارث في سوريا حيث تم بحث سبل تعزيز التعاون الأمني ومستجدات الأوضاع الأمنية والإقليمية والاتفاق على تفعيل التعاون الأمني ومواصلة التشاور والتواصل والتنسيق وتبادل الخبرات. كما تم توقيع مذكرة تفاهم مشتركة بشأن التعاون في مجال الحد من مخاطر الكوارث والحماية المدنية.
أكدتم أن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة، كيف تنعكس هذه الرؤية على خطط وزارة الداخلية المستقبلية؟
- يشكل الأمن ركيزة أساسية للتنمية، إذ يوفر بيئة الاستقرار اللازمة لنمو الاقتصاد والتعليم والمجتمع، وينعكس مباشرة على ثقة المستثمر ونشاط المجتمع واستمرارية مسار التنمية. وبناء على ذلك، تتجه خطط وزارة الداخلية نحو الوقاية قبل المعالجة، وبناء القدرات قبل وقوع المخاطر، إلى جانب تحديث المنظومات الأمنية وتعزيز الشراكة المجتمعية.
وتعكس مؤشرات الأمن والاستقرار في البحرين، رؤية استراتيجية أرسى دعائمها سيدي، حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة حفظه الله ورعاه، تقوم على جعل الإنسان البحريني محور التنمية، والمواطنة أساس بناء الدولة، وسيادة القانون ضمانة العدالة. كما عززت توجيهات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، هذا النهج من خلال تحقيق تكامل بين الأداء المؤسسي والتخطيط التنموي، بما يسهم في ترابط منظومة العمل الوطني وتكامل مسؤوليات مؤسسات الدولة.
مع تطور وسائل الإعلام وسرعة انتشار المعلومات، ما خطة الوزارة في مواجهة الأزمات، وما دور الإعلام الأمني في التصدي لعمليات التضليل في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي؟
يستدعي التعامل مع الأزمات حضوراً إعلامياً سريعاً وواضحاً، إذ يفسح أي تأخر في المعلومة الرسمية المجال أمام الشائعات والتضليل. وتقوم خطة الوزارة في هذا الشأن على مبدأي المبادرة والدقة دون تسرّع. ويعد الإعلام الوطني شريكاً أساسياً في إدارة الأزمات وحماية المجتمع من تداعياتها، خصوصاً في ظل تنامي مخاطر المحتوى المضلل الناتج عن الاستخدام غير المسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي. وتتجه الوزارة إلى تعزيز دور الإعلام الأمني في توضيح الحقائق وبناء المناعة المجتمعية تجاه هذه المخاطر.
تتميز البحرين بنسيج اجتماعي متماسك قائم على التعايش والتسامح والتعددية. ما أهمية المحافظة على هذا الإرث؟
- يمثل إرث التعايش في البحرين، القائم تاريخيا على التعدد والتنوع، ركناً أساسياً من أركان الاستقرار الوطني وجزءاً من الهوية البحرينية وثرائها الحقيقي. وتسهم وزارة الداخلية في حماية هذا الإرث عبر تطبيق القانون بحزم وتعزيز الشراكة المجتمعية، ومنع أي خطاب يحول الاختلاف إلى خصومة أو التنوع إلى انقسام، باعتبار حفظ الوحدة الوطنية مسؤولية مستمرة.
ما رؤية معاليكم لمستقبل الأمن المجتمعي في البحرين في ظل التحديات الإقليمية المتغيرة؟
- يقوم مستقبل الأمن المجتمعي في البحرين على الانتقال من الاستجابة الآنية إلى الوقاية المستمرة، ومن التواصل الموسمي إلى الشراكة الدائمة، ضمن مفهوم شامل للأمن يشمل الوعي والإعلام والتعليم والفضاء الرقمي والأسرة والمجتمع المدني. وتنظر وزارة الداخلية إلى الأمن باعتباره مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، حيث يشكل الإطار الذي تصان من خلاله الهوية الوطنية، ويحفظ استقرار المجتمع ومصالح المواطنين، ويسهم في حماية الأجيال من محاولات الاستقطاب الفكري والولاءات الخارجية التي قد تؤثر في تماسك النسيج الاجتماعي الذي راكمته البحرين عبر عقود من التعايش والانسجام. وبينما تتطور أدوات مواجهة التحديات الأمنية بما يواكب المتغيرات الإقليمية، يبقى الولاء لجلالة الملك والانتماء لمملكة البحرين وقيادتها واحترام القانون وصون الوحدة الوطنية من الثوابت غير القابلة للتغيير.
في ضوء الأحداث الأخيرة، برزت أهمية التلاحم الوطني كخط دفاع أول. كيف تقيمون مستوى الوعي الوطني اليوم، وما العوامل التي أسهمت في ترسيخ هذا التماسك؟
- أظهرت الأحداث الأخيرة مستوى راسخاً من الوعي الوطني لدى غالبية المجتمع البحريني، ويعود هذا التماسك إلى تراكم عوامل عدة، أبرزها حكمة القيادة، ورسوخ المؤسسات الوطنية، وتجربة تاريخية طويلة رسخت قيم السلم الأهلي والوحدة الوطنية لدى المجتمع. ولعل أبهى صور التلاحم الوطني، رأيناها مؤخراً مع "تجديد العهد والولاء لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة – حفظه الله ورعاه – وتوقيع عموم البحرين على وثيقة العهد والولاء.