كثيراً ما يتردد البعض في طلب الاستشارة خشية أن يُنظر إليهم على أنهم مترددون أو غير قادرين على اتخاذ القرار، بينما الحقيقة أن الاستشارة ليست علامة ضعف، بل دليل على وعي الإنسان بحدود معرفته ورغبته في الوصول إلى أفضل الخيارات. فالإنسان مهما امتلك من علم أو خبرة، قد تغيب عنه زاوية لا يراها، أو معلومة لم ينتبه إليها، وهنا تأتي قيمة الاستشارة في توسيع دائرة الرؤية قبل الإقدام على القرار. ولعل أبسط مثال على ذلك: شخص يرغب في شراء منزل، فيعجبه شكله وموقعه، فيقرر الشراء فوراً. لكن عندما يستشير مهندساً أو خبيراً عقارياً، يكتشف وجود عيوب إنشائية أو مشكلات قانونية قد تكلفه الكثير مستقبلًا. لم تغير الاستشارة قراره فحسب، بل وفرت عليه خسارة كبيرة كان يمكن تجنبها. وفي حياتنا اليومية، نحتاج إلى الاستشارة في الزواج، واختيار التخصص الدراسي، وتغيير الوظيفة، وإدارة المشروعات، وشراء سلعة معمرة مثل سيارة جديدة من وكالات السيارات وحتى في تربية الأبناء. فالرأي الصادق المبني على الخبرة قد يختصر سنوات من التجربة، ويجنب صاحبه أخطاءً كان يمكن تفاديها.
وقد أرشدنا الإسلام إلى هذا النهج، فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وكان النبي الأكرم يشاور أهل بيته وأصحابه في كثير من الأمور، ليؤكد أن الاستشارة منهج للقادة قبل غيرهم، وأن تعدد الآراء يثري القرار، ولا ينتقص من مكانة صاحبه.
لكن نجاح الاستشارة يعتمد على حسن اختيار المستشار؛ فليس كل صاحب رأي أهلاً للمشورة، وإنما يُستشار صاحب العلم، والخبرة، والأمانة، والصدق. كما أن المستشار يقدم النصح، أما القرار النهائي فيبقى مسؤولية صاحبه.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، تبدّل مفهوم الاستشارة عند كثيرين؛ فبدل أن يقصد الشخص طبيباً حين يشعر بألم، تراه يطرح السؤال في مجموعة على «انستغرام» أو يبحث عن إجابة بين تعليقات «تيك توك»، وبدل استشارة محامٍ في عقد مهم، يكتفي برأي «خبير» مجهول الهوية في تعليق عابر. وهكذا يختلط الرأي المتخصص، القائم على علم ودراسة، بالرأي العابر القائم على تجربة شخصية أو انطباع سريع، فيظن السائل أنه استشار، وهو في الحقيقة جمع أصواتاً لا وزن علمياً لها. والخطر هنا لا يكمن في وسائل التواصل نفسها، فهي قد تكون نافذة مفيدة للتوجيه العام، لكن الخطر في الاكتفاء بها بديلاً عن أهل الاختصاص، وفي الانسياق وراء كثرة الآراء ظناً أن العدد يعني الصواب. لذلك تبقى الحكمة في سؤال الشخص المناسب، لا في جمع أكبر عدد من الآراء.
إن الاستشارة ليست بحثاً عمّن يقرر عنا، بل هي بحث عن بصيرة تُنير الطريق. فالعقول تتكامل، والخبرات تتلاقى، والقرار الحكيم غالباً ما يولد من حسن الإصغاء قبل حسن الاختيار.
وكما يقول المثل: «من استشار، ما خاب، ومن استبد برأيه، عرّض نفسه للخطأ.» فالرأي الواحد قد يرى الطريق، أما المشورة فترى ما قد يخفى على العين.