حسن الستري

  • - المقترح يشمل الجمعيات والأندية والهيئات العاملة في الشباب والرياضة
  • - الحكومة: التعديل المقترح يهدد بتراجع الإيرادات والإخلال بحياد النظام الضريبي
  • - ضرورة الفصل بين السياسة الضريبية والدعم الاجتماعي لاختلاف الطبيعة والوظيفة

من المقرر أن يناقش مجلس النواب في دور الانعقاد المقبل مشروع قانون بتعديل المادة (53) من قانون ضريبة القيمة المضافة، والمقدم بناءً على اقتراح بقانون من مجلس النواب، والمتضمن إعفاء توريد خدمات الرعاية الاجتماعية والسلع والخدمات المرتبطة بها للجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والهيئات الخاصة العاملة في ميدان الشباب والرياضة من ضريبة القيمة المضافة.

ويهدف مشروع القانون إلى منح الدعم والمساندة لمؤسسات المجتمع المدني التي لها اتصال مباشر بتقديم الخدمات المرتبطة بالرعاية الاجتماعية، أسوة بالمؤسسات التعليمية والصحية، انطلاقاً من أن دورها التنموي والمجتمعي لا يقل أهمية عن الأدوار التي تضطلع بها تلك المؤسسات، فضلاً عن أنها تؤدي رسالتها بصورة غير تجارية وغير ربحية، وتسهم في تنمية المجتمع وخدمة أفراده.

وفي المقابل، أبدت الحكومة تحفظها على مشروع القانون، مؤكدة أنها تقدر الأهداف التي يسعى المشروع إلى تحقيقها، إلا أنها ترى أن منظومة الدعم القائمة والمنظمة تغني عن التعديل الضريبي المقترح، مبينة أن دعم الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والهيئات الخاصة العاملة في ميدان الشباب والرياضة لا يعد تدخلاً استثنائياً أو مرحلياً، وإنما يمثل نهجاً حكومياً مستقراً ومؤسسياً، تنفذه الدولة من خلال منظومة متكاملة من الأدوات المالية والتنظيمية، تخضع لضوابط قانونية ورقابة مالية وإدارية تكفل كفاءة توجيه الموارد العامة وتحقيق الأهداف الاجتماعية بصورة منضبطة.

وأوضحت الحكومة أن منظومة الدعم الموجهة للجمعيات الخاضعة لإشراف وزارة التنمية الاجتماعية تشمل الدعم المالي المباشر، بما في ذلك المنح المخصصة لمراكز التأهيل التابعة للجمعيات، ومخصصات دعم المشروعات ذات الأولوية وفق معايير محددة تكفل عدالة التوزيع وحسن الاستخدام. كما يمتد الدعم إلى الجوانب العينية والتنظيمية من خلال تخصيص أراض أو عقارات مملوكة للدولة لاستخدامها كمقار للجمعيات، وإتاحة استخدام القاعات والمرافق التابعة للوزارة دون مقابل لتنفيذ البرامج والفعاليات، إضافة إلى إبرام عقود شراكة اجتماعية مع بعض الجمعيات لإدارة دور تابعة للوزارة في إطار تعاقدي منظم يعزز التكامل بين الجهد الحكومي والعمل الأهلي.

وأضافت أن الدعم لا يقتصر على الجوانب المالية، وإنما يشمل أيضاً الجوانب الفنية والتنظيمية، عبر توفير خدمات استشارية قانونية ومالية ومحاسبية، والمساندة في إعداد التقارير والالتزام بالمتطلبات الرقابية، والاستعانة بجهات محاسبية قانونية لتعزيز الحوكمة والشفافية، إلى جانب تنفيذ برامج منهجية لبناء القدرات تشمل التدريب وورش العمل لأعضاء مجالس الإدارات والعاملين في الجمعيات، بما يسهم في رفع كفاءة الأداء وتعزيز استدامة العمل الأهلي.

وفي المجال الثقافي والفني، أشارت الحكومة إلى أن القرار رقم (3) لسنة 2015 بشأن لائحة تنظيم دعم الجمعيات الفنية والثقافية وضع إطار قانوني واضح لدعم الكيانات المسجلة والخاضعة لإشراف هيئة البحرين للثقافة والآثار، ويتضمن دعماً مالياً منتظماً بحسب طبيعة النشاط، إضافة إلى دعم المشاركات الخارجية وفق ضوابط محددة تشمل تغطية نفقات السفر وتكاليف شحن الأعمال أو المعدات الفنية في حدود القواعد المعتمدة.

وأوضحت أن الدعم يمتد كذلك إلى الجوانب التنظيمية والمعنوية، من خلال رعاية الفعاليات، وتوفير مقار إقامتها، وتقديم المساندة الإعلامية، وتمكين بعض الأعضاء أو العاملين من التفرغ للمشاركة في الأنشطة، فضلاً عن إتاحة الاستفادة من برامج الدعم للأفراد العاملين في المجالات الثقافية والفنية والشبابية والرياضية متى ثبتت جدوى مشاركتهم ووفق الضوابط المعتمدة.

وفيما يتعلق بالقطاع الرياضي والشبابي، بينت الحكومة أن الدولة تخصص اعتمادات مالية سنوية لدعم الأندية والهيئات الخاصة العاملة في ميدان الرياضة، حيث تتولى الهيئة العامة للرياضة، بموجب المرسوم رقم (61) لسنة 2021 وتعديلاته، تقديم الإعانات وفق الأطر التنظيمية المعتمدة.

وأضافت أن هذا الدعم لا يقتصر على الإعانات المالية المباشرة، وإنما يشمل تمويل مشروعات البنية التحتية الرياضية، وصيانة المنشآت، وتوفير الأجهزة والمعدات، وتحمل تكاليف الإشراف الفني والتحكيمي، ودعم إعداد المنتخبات الوطنية والمعسكرات التدريبية، إضافة إلى تشغيل المنشآت الرياضية العامة وإتاحة استخدامها للأندية، وتنفيذ برامج لاكتشاف المواهب ورعاية الرياضيين المتميزين.

كما يشمل الدعم، بحسب الحكومة، أوجهاً عينية وتنظيمية متعددة، من بينها تخصيص أراض وعقارات حكومية لإقامة أو توسعة المنشآت الرياضية، وإتاحة استخدام المرافق العامة لتنفيذ البرامج والبطولات، وتيسير الإجراءات المرتبطة بتنظيم الفعاليات الرياضية والحصول على التراخيص والموافقات اللازمة، فضلاً عن تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص لإدارة وتشغيل بعض المرافق الرياضية.

وأشارت إلى أن الدعم يمتد كذلك إلى الجوانب الفنية والمؤسسية من خلال تقديم خدمات استشارية قانونية ومالية وإدارية للأندية، والمساندة في إعداد الهياكل التنظيمية والتقارير الدورية بما يعزز الحوكمة والشفافية والامتثال للأنظمة، إلى جانب تنظيم برامج تدريبية وورش عمل لتأهيل الكوادر الإدارية والفنية وأعضاء مجالس الإدارات، كما تقدم وزارة شؤون الشباب للمراكز الشبابية ومراكز تمكين الشباب برامج دعم مالي وخدمات تنظيمية وبرامج تمكين متنوعة تسهم في تطوير العمل الشبابي وتعزيز دوره المجتمعي.

وأكدت الحكومة أن هذه الأطر مجتمعة تعكس استثمار الدولة بصورة مباشرة ومستدامة في دعم القطاعات الاجتماعية والثقافية والفنية والرياضية عبر أدوات واضحة وقابلة للتقييم والمراجعة، تحقق الأهداف الاجتماعية المنشودة بكفاءة ومرونة دون المساس بالبنية الفنية للنظام الضريبي، معتبرة أن الغايات التي يرمي إليها المشروع المقترح متحققة بالفعل من خلال منظومة دعم قائمة وفعالة، الأمر الذي يجعل إدخال استثناء ضريبي جديد غير مبرر من الناحية العملية، لا سيما أن الأصل في الإعفاءات والمعاملات التفضيلية أنها استثناء يفسر في أضيق نطاق، ولا يلجأ إليه إلا عند تعذر تحقيق الغاية بوسائل أخرى أقل مساساً بالاتساق التشريعي للنظام الضريبي.

وشددت الحكومة على عدم ملاءمة استخدام أدوات السياسة الضريبية لتحقيق أغراض الدعم الاجتماعي، موضحة أن من المبادئ المستقرة في المالية العامة التمييز بين أدوات السياسة الضريبية وأدوات السياسة الاجتماعية، لاختلاف طبيعة كل منهما ووظيفتها وآليات عملها. وذكرت أن ضريبة القيمة المضافة تعد أداة عامة ومج ردة تفرض على الاستهلاك وفق قواعد موحدة ومحايدة، وتهدف أساسًا إلى تحصيل الموارد العامة بكفاءة واستقرار بما يحقق اتساق النظام الضريبي وحياده.

وأضافت أنه وإن كانت التشريعات الضريبية قد تتضمن في بعض الحالات معالجات تفضيلية محدودة لدعم أهداف اقتصادية أو اجتماعية، فإن هذه المعالجات تظل بطبيعتها استثناءً يجب أن يكون مبرراً بوضوح، ومحدود النطاق، ومتسقاً مع الأسس الفنية للنظام الضريبي، حتى لا يؤدي التوسع فيها إلى إضعاف حياد الضريبة أو تقليص اتساع وعائها.

وأوضحت أن أدوات الدعم الاجتماعي تتسم بطابع أكثر مرونة واستهدافاً، إذ توجه إلى فئات أو أنشطة محددة وفق أولويات السياسة العامة، مع قابليتها للمراجعة والتعديل تبعاً للظروف الاقتصادية والمالية، ومن ثم فإن دعم الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والهيئات العاملة في ميدان الشباب والرياضة يظل أقرب بطبيعته إلى مجال السياسة الاجتماعية، التي تتيح للدولة أدوات أكثر دقة ومرونة واستهدافاً من الأداة الضريبية.

ولفتت الحكومة إلى أن استخدام نسبة الصفر في المائة لتحقيق هذا الغرض يترتب عليه آثار مالية مباشرة، إذ إن تطبيق هذه النسبة يبقي المعاملة ضمن نطاق الضريبة دون استيفاء الضريبة على المخرجات، مع منح المكلف حق خصم أو استرداد الضريبة المسددة على المدخلات، بما قد يترتب عليه التزام مالي غير مباشر تتحمله الخزانة العامة، مؤكدة أن نسبة الصفر لا تمثل مجرد تخفيف للعبء الضريبي، وإنما تعد معاملة ضريبية ذات آثار مالية فعلية وممتدة.

وأضافت أن توظيف نسبة الصفر لتحقيق أهداف دعم اجتماعي قد يؤدي إلى تداخل بين أدوات السياسة الضريبية وأدوات السياسة الاجتماعية، بما قد ينعكس على الاتساق الفني والتشريعي لمنظومة ضريبة القيمة المضافة، فضلاً عما قد يترتب عليه من آثار مالية مستمرة على الموارد العامة.

وفي معرض حديثها عن الأثر المالي للمشروع، بينت الحكومة أن التوسع في تطبيق نسبة الصفر على معاملات توريد خدمات الرعاية الاجتماعية والسلع والخدمات المرتبطة بها عند تقديمها إلى الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والهيئات الخاصة العاملة في مجال الشباب والرياضة سيؤدي إلى انخفاض فعلي ومستدام في حصيلة ضريبة القيمة المضافة، بالنظر إلى اتساع نطاق الجهات والمعاملات التي قد يشملها التطبيق.

وأشارت إلى أن تطبيق نسبة الصفر يعد إحدى صور الإنفاق الضريبي، إذ ينطوي على تخلي الدولة عن إيرادات كان من الممكن تحصيلها لو خضعت تلك المعاملات للنسبة العامة للضريبة، فضلاً عما يرتبه من تمكين المكلفين من خصم أو استرداد ضريبة المدخلات، بما ينشئ عبئاً مالياً غير مباشر تتحمله الخزانة العامة، ويؤدي إلى تقليص الموارد العامة بصورة تماثل في جوهرها الاقتصادي الإنفاق الفعلي من الميزانية.

وأكدت الحكومة أن مشروع القانون لم يرفق بدراسة مالية تبين حجم الانخفاض المحتمل في الإيرادات، أو عدد الجهات والمعاملات المشمولة، أو الأثر التراكمي على المدى المتوسط والطويل، كما لم يتضمن تدابير واضحة لضبط هذا الأثر أو تعويضه ضمن إطار السياسة المالية العامة، مشيرة إلى أن ضريبة القيمة المضافة تمثل أحد المصادر الرئيسة والمستقرة للإيرادات العامة، وأن التوسع في المعاملات التفضيلية دون تقدير مسبق لتكلفتها المالية قد يؤدي إلى تآكل جزء من القاعدة الضريبية وإضعاف انتظام العائدات.

وأضافت أن إقرار المشروع دون إجراء دراسة مالية شاملة ودون تحديد أثره بدقة على الإيرادات العامة لا يتوافق مع متطلبات الانضباط والاستدامة المالية التي تشكل أساس السياسة المالية للدولة.

كما رأت الحكومة أن مشروع القانون لا يتسق مع الأسس الفنية التي يقوم عليها نظام ضريبة القيمة المضافة، وفي مقدمتها العمومية والشمول والحياد الضريبي، موضحة أن الضريبة تقوم على معيار موضوعي يتمثل في تحقق واقعة اقتصادية محددة قوامها توريد سلعة أو تقديم خدمة مقابل عوض وما ينشأ عنها من استهلاك نهائي داخل الإقليم الضريبي، دون التفات إلى الغاية الاجتماعية للنشاط، أو إلى صفة الجهة القائمة به أو طبيعتها غير الربحية.

وأكدت أن اعتماد صفة الجهة أو طبيعة رسالتها أساساً لمنح معاملة ضريبية تفضيلية يمثل خروجاً عن المعيار الموضوعي الذي يقوم عليه هذا النوع من الضرائب، ويدخل اعتبارات شخصية في نطاق يفترض فيه التجرد والحياد، كما أن قصر تطبيق نسبة الصفر على جهات بعينها، رغم تماثل المعاملات من حيث طبيعتها الاقتصادية ينشئ استثناءً ضريبياً يستند إلى صفة المستفيد لا إلى طبيعة المعاملة ذاتها، ويفتح المجال للتوسع في الاستثناءات، بما قد يحد من اتساع الوعاء الضريبي.

وأضافت أن هذا التوجه يمس مبدأي العمومية والشمول، اللذين يقتضيان خضوع السلع والخدمات التي تتحقق بشأنها الواقعة المنشئة للضريبة دون تمييز شخصي أو فئوي، كما يمس مبدأ الحياد الضريبي الذي يستلزم إخضاع المعاملات المتماثلة معاملة ضريبية متكافئة، إذ إن منح معاملة تفضيلية قائمة على صفة الجهة يؤدي إلى تفاوت في العبء الضريبي بين معاملات متشابهة في جوهرها الاقتصادي.

كما أكدت الحكومة وجود تباين في المركز القانوني والضريبي بين مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والصحية، موضحة أن المعاملة الضريبية الخاصة المقررة لقطاعي التعليم والصحة لا تستند إلى الأهمية الاجتماعية لهذين القطاعين فحسب، وإنما تقوم أساساً على طبيعة الخدمات المقدمة باعتبارها خدمات أساسية ترتبط ارتباطاً مباشراً بحقوق دستورية تلتزم الدولة بكفالتها وضمان إتاحتها بصورة شاملة ومنتظمة.

وأضافت أن خدمات الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والهيئات الخاصة العاملة في ميدان الشباب والرياضة، رغم أهميتها في دعم العمل المجتمعي وتعزيز التماسك الاجتماعي، تعد من الناحية القانونية أنشطة مساندة ومكملة للدور العام للدولة، ولا ترتقي إلى مرتبة الخدمات الأساسية التي تلتزم الدولة بتوفيرها بذات القدر من الشمول أو الإلزام أو الإتاحة العامة، كما أنها لا تخضع في الغالب للإطار التنظيمي والرقابي المكثف الذي يميز قطاعي التعليم والصحة.

وخلصت الحكومة إلى أن القياس بين هذه الفئات المختلفة ومد المعاملة الضريبية الخاصة المقررة لقطاعي التعليم والصحة إلى مؤسسات المجتمع المدني لا يستند إلى أساس قانوني أو فني متماثل، ولا يتفق مع المعايير المستقرة التي تحكم تقرير الاستثناءات في نظام ضريبة القيمة المضافة، والتي ترتبط بطبيعة الخدمة وموقعها ضمن الالتزامات الدستورية للدولة، لا بمجرد الأهمية الاجتماعية للنشاط أو صفة الجهة القائمة به.