ليست ذكرى المولد النبوي الشريف، مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، في وجدان البحرين يومًا يعبر في التقويم، ولا مناسبةً تُستدعى لها الكلمات ثم تُطوى، بل هي عهدٌ يتجدّد، ونورٌ يمتدّ، ورسالةٌ تُقرأ في السيرة، وتُرى في المسيرة، وتُسمع في القول، وتُلمس في الفعل.

ومن هنا جاءت الكلمة السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم، حفظه الله ورعاه، لا خطابًا عابرًا في مناسبة عطرة، بل بيانًا جامعًا لمعنى الرسالة المحمدية حين تكون هديًا لبناء الإنسان، وميزانًا للعدل، ومشكاةً للأخلاق، وسبيلاً إلى السلام والتعايش والتراحم. فسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، كما استحضرها جلالته، ليست حكايةً تُروى، بل قيمةٌ تُعاش؛ وليست ذكرى تُستعاد، بل نهجٌ يُقتدى به، وميزانٌ تُقاس به صلة الإنسان بربه، وصلته بوطنه، وصلته بأخيه الإنسان.

وفي العهد الزاهر لجلالة الملك المعظم، لم تبقَ هذه المعاني في فضاء الوجدان وحده، بل نزلت إلى أرض العمل، فكان القرآن الكريم في صدر العناية، وحفظته في موضع التكريم، وعلومه في رحاب الرعاية. فمن جائزة البحرين الكبرى للقرآن الكريم، إلى مصحف البحرين، إلى معهد القراءات وإعداد معلمي القرآن الكريم، إلى المسابقات ومراكز التحفيظ، يتبيّن أن خدمة كتاب الله ليست عملاً موسميًا، بل بناءٌ متصل، وسقيٌ دائم لشجرة الإيمان، حتى ينهض الجيل على تلاوةٍ تُهذّب اللسان، وحفظٍ يُنير الجنان، وفهمٍ يُقوّم السلوك، وعملٍ يُزكي العمران.

وإذا كان القرآن كتاب هداية، فإن بيوت الله مواضع هذه الهداية ومنائرها؛ ولذلك شهدت البحرين في عهد جلالة الملك المعظم وبتوجيهات صاحب السمو الملكي ولي العهد عنايةً ظاهرةً بالمساجد والجوامع، بناءً وترميمًا وتأهيلًا. وحسبك من شاهدٍ أن البحرين، تحتضن نحو 1,389 مسجدًا وجامعًا؛ بما يناهز مسجدين في كل كيلومتر مربع، حتى غدت بيوت الله في ربوعها مناراتِ ذكرٍ لا تنقطع، وشواهدَ عمرانٍ لا تخبو، ودليلًا على أن الرسالة المحمدية في هذا العهد الزاهر لم تبقَ معنىً في الصدور، بل صارت نورًا في المساجد، وطمأنينةً في القلوب، ووحدةً في المجتمع.

ولم تكن البحرين، في تسامحها، صفحةً مستحدثةً تُكتب على عجل، ولا روايةً تُنسج لتبني تاريخًا لا عمق له؛ بل هي منارةٌ أصيلة، عتيقة الجذر، راسخة الأثر، يعرفها الفريج قبل الوثيقة، ويشهد بها الشارع قبل المنبر. ففي ربوعها ترى المسجد والكنيسة والكنيس في جوارٍ لا يتنافر، وقربٍ لا يتكلف، وألفةٍ لا تحتاج إلى إعلان؛ كأن المكان يقول لأهله وللعالم: هنا تُرفع العبادة إلى الله، وتُحفظ كرامة الإنسان، ويُصان اختلاف الناس بالمحبة لا بالمنازعة، وبالاحترام لا بالمكابرة.

ومن أجل ذلك امتد النهج الملكي من رعاية القرآن وعمارة المساجد إلى بناء مؤسسات تحمل قيم التعايش إلى العالم. فكان مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، وكان إعلان مملكة البحرين، وكانت جائزة الملك حمد للتعايش والتسامح، وكان كرسي الحوار بين الأديان، وكانت المبادرات التي جعلت من البحرين صوتًا للسلام لا صدى، ومنبرًا للحوار لا شعارًا، ورسالةً إنسانيةً لا عبارةً منمقة.

وهكذا يكتمل المعنى: قرآنٌ يُتلى في الصدور، وبيوتٌ تُعمَر بالذكر، وقيمٌ تُبنى بها الجسور. إنها ثلاثية الرسالة في عهد جلالة الملك المعظم: هدايةٌ تُنير، وعبادةٌ تُطهّر، وتعايشٌ يُثمر. ومن جمع هذه الثلاث، فقد أخذ من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم قبسًا لا يخبو، ومن سنته طريقًا لا يضل، ومن أخلاقه ميزانًا لا يجور.

لقد أراد جلالة الملك المعظم في كلمته السامية أن يردّنا إلى أصلٍ جامع: أن السيرة النبوية لا تُعظّم بالتغني بها وحده، بل بالاقتداء بها؛ وأن حب النبي صلى الله عليه وسلم لا يُصان بالقول وحده، بل بأن نصون الإنسان، ونحفظ الوطن، ونطهّر الكلمة من الفتنة، ونجعل الرحمة أقوى من الكراهية، والوسطية أرسخ من الغلو، والوحدة أعز من الفرقة.

وما البحرين، في هذا النهج، إلا شاهدٌ حيّ على أن الرسالة المحمدية إذا رسّختها القيادة الراشدة حق رسوخها، صارت أمنًا في الوطن، وطمأنينةً في المجتمع، وعدلًا في التعامل، ورحمةً في الخطاب، وتسامحًا في العالم. فهنيئًا لبحرينٍ استلهمت من السيرة هديها، ومن الرسالة قيمها، ومن الإيمان عمرانها، ومن التعايش سلامها، حتى صار المعنى فيها فعلًا مشهودًا، لا قولًا مردودًا، وأثرًا باقيًا، لا شعارًا عابرًا.

بتوفيقٍ من الله جلّ شأنه وعظم سلطانه، سيبقى نور رسالة محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الأرض المباركة هاديًا للقلوب، جامعًا للصفوف، رافعًا للكلمة الطيبة، وبفضل قيادة سيدي جلالة الملك المعظم ورؤيته، ستظل مملكة البحرين تقتبس من نور هداية الرسالة المحمدية صفاءَ مقصدها، وسماحةَ نهجها، وعدلَ ميزانها؛ فتجعل من الإيمان عمرانًا، ومن الأخلاق أمانًا، ومن الرحمة سبيلًا، ومن التعايش دليلًا، حتى تبقى البحرين كما أرادها جلالته دارَ محبةٍ وسلام، وموطنَ هُدًى ووئامٍ، وواحةَ خيرٍ لا ينقطع مددُها، ولا يخبو سراجُها، ولا يضعف في القلوب عهدُها.