تتعاظمُ قيمة الإنسان في قيمةِ رسالته في هذه الحياة، قدراً لتجسيد المعنى الحقيقي للعيش على هذه الأرض. هذه القوة التي تُجسِد قيمة رسالتك تكمن في حبك للعطاء ومقدار التأثير الذي تتركه في طريقك للسموُ، وكلما كانت هذه الرسالة نبيلة لا يشوبها غلٌ أو كره، باتت ذات معنى وأثر.
ومع اختلاف معايير النجاح والتميّز في هذا العصر، تولد قوة هائلة لحمل هذه الرسالة على عاتقِ الأيام، والكثير من الناس اليوم يطمحون للارتقاء والصعود؛ لأنهم يجدون أنفسهم محمَلين على هذا الركب - خوضاً مع الخائضين - لكون معاني الاستحقاق العالي اليوم هي المقياس الذي يُقاس عليه النجاح والتميّز.
وعندما تأتي لتُفَند هذه المعاني تجدها بآلية.. ركيكة المضمون والمغزى. ففي علم النفس، فإن الاستحقاق العالي المزيف هو اعتقاد الشخص بأنه على قدر من الاستحقاق والجدارة دون بذل أي جهد يتناسب مع ما يصبو إليه. ومن هنا نستطيع أن نفرق بينه وبين الاستحقاق الصحي الذي يولد من موطن الجهد الحقيقي والالتزام المتقَن.
وعندما يظن البعض بأن النجاح مثلاً هو نيل المنصب المرموق ذاك أو اقتناء الشهادة العليا تلك، أو ربما في الوصول للثراء الفاحش كما يزعمون، تجد بأن هذه المعايير قد فقدت ارتباطها بالمعنى الحقيقي للنجاح. لأن امتلاك هذا المنصب بحد ذاته أو الحصول على تلك الشهادة أو الرغبة في تحقيق الثراء بعينه لا يكفي؛ لأنْ نصفه بالنجاح الحقيقي.
لذلك نجد بأن البشر اليوم يسعون غالباً للنجاحات المرئية الظاهرة، هذه النجاحات التي تمنحهم الشعور بالمكانة الاجتماعية المرموقة، فالاستمتاع بالظهور والشهرة مثلاً أصبح هاجساً يطمح إليه الكثيرون، فأحدهم يدعّي بأنه (الرقم الأقوى) ولكن في ماذا يا ترى..! في كمية المشاهدات ربما. مع الأسف أصبح بلوغ تلك الأرقام من معاني النجاح التي يزعمها البعض، في حين أنهم لا يعملون على تأسيس قيمة ذاتية واحدة تعكس رسالتهم في الحياة، أو تضيف للبشرية مبدأ للارتقاء والنهوض.
اعلم يا عزيزي، بأن قدراتك التي تطورت في رحلة السعي، وشخصيتك التي نضُجت في خضم الصعوبات التي مررت بها، عقلك الذي ازدهر ونما.. إنسانيتك التي نُسِجت في غيهب الظلام، وجعلت منك إنساناً معطاءً مهذب الأخلاق، هي جميعها تختزل معاني نجاحك.
كل هذه المعاني العظيمة هي التي تميّز الشخص العظيم من الشخص العاديّ؛ لأنه من الصعب جداً أن تنالها في ظروفك المعهودة أو تجاربك السطحية. إن أردت أن تضع منزلتك اليوم على رفوف العظماء لا تغتر بالرفوف العليّـا، ولا تركض مُتلهفاً للأمام من أجل الوقوف فقط في المقدمة «العلو يُحرَز بجودة العمل والمقدمة لمن يملك القيمة»، وإن كنت تلهث للصعود وأنت محمَل بالغل، حريص بالارتقاء بنفسك على أكتافِ الآخرين، لن تجني أبداً أي رفعة أو علوُ؛ لأن النية في العمل هي التي توجه مساره للقَبول.
وبالرجوع إلى ما استهلّت به كلماتي، فإن القيمة التي ينطلق من خلالها عملك وعطاؤك في هذا الوطن.. وعلى هذه الأرض تكمن فيما تقدمه لمجتمعك والوعي الذي تصنعه للارتقاء به، فإن لم يكن لخدمة الآخرين والنهوض بهم لن تحظى على المقام النبيل، وإن لم يكن هذا الصعود محوكاً بحب الخير وجزالة العطاء لن تنال شرف العمل، مصداقاً لقوله تعالى في سورة النحل «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً * وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».
أن تصمد بأخلاقك ومبادئك في ظل ازدواج المعايير وتباين المقاييس لهو الإنجاز الأعظم الذي عليك أن تفتخر به اليوم. وطنك اليوم يستحق أن تبذل من أجله الغالي والنفيس إخلاصاً وحباً لترابه.
* باحث في الشأن القانوني والاجتماعي