بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

من ضيق الفهم أن تُحبس القوة في فوهة سلاح، وأن تُختزل القوة الناعمة في أغنيةٍ تُسمع، أو صورةٍ تُنشر، أو فيلمٍ يُعرض؛ فالقوة أوسع من أداتها، وأبقى من لحظتها، وأمضى أثراً حين تنتقل من القول إلى الفعل، ومن المعنى الذي يُلقَّن إلى التجربة التي تُعاش؛ فتغدو في النفس خُلُقاً، وفي السلوك نهجاً، وفي الذاكرة أثراً.

ومن هذا الباب، لا أرى «قدها جونيور» معسكراً صيفياً ينقضي بانقضاء أيامه، ولا برنامجاً عابراً تُطوى صفحته بانتهاء فعالياته؛ بل غرساً في النفوس قبل تدريب الأجساد، وبناءً للشخصية قبل ميدان التحدي، وصناعةً للمعنى قبل صناعة المهارة؛ يتعلم فيه الناشئ أن الانضباط تقويم، وأن الصبر اقتدار، وأن الوطن ليس اسماً يُردَّد، بل حبٌّ يُغرس، وفضلٌ يُعرف، وعهدٌ يُحفظ.

ولكي نبلغ من «قدها جونيور» جوهر معناه، نعود إلى أصلٍ أرسخ، وضوءٍ أسبق؛ إلى «الضوء الأول» الذي أشرق برؤية سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة حفظه الله ورعاه، يوم غرس جلالته بذرة قوة دفاع البحرين، وأرسى دعائمها، ورسم لها نهجها ومرامها؛ فلم تكن منذ البدء سلاحاً يُقتنى فحسب، بل مدرسةً تُبنى، ورجالاً تُصاغ، وأمانةً تُصان.

وفي مقدمة الشواهد على أثر هذه المدرسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء حفظه الله؛ فما كانت صلة سموه بقوة دفاع البحرين لقبًا يُسجّل، بل خدمةً بدأت في الميدان ومسيرةً صقلتها المسؤولية.

فمن خدمةٍ في وحدة الدروع، إلى منصب وكيل وزارة الدفاع، إلى قيادة قوة دفاع البحرين، ثم إلى موقع نائب القائد الأعلى، حتى بلغ سموه رتبة المشير؛ تتبدّل المواقع ولا يتبدّل الولاء، وتتسع المسؤوليات ولا يفتر العطاء.

فحمل سموه من الميدان انضباطه، ومن الجندية صرامتها، ومن القيادة بصيرتها؛ ليبرهن أن من عرف صون الثغر أحسن صون الوطن، ومن عرف ثقل الواجب في الميدان عرف قدره في الديوان.

وكان من تمام رؤية جلالة الملك المعظم، وحسن الاختيار، وسداد القرار، أن عهد بقيادة هذا الصرح إلى معالي المشير الركن الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة القائد العام لقوة دفاع البحرين؛ رجلاً صحب البدايات، وثبّت الدعائم، وصقل الرجال، ورفع الجاهزية، حتى اقترن اسمه بثبات المؤسسة وهيبة ميدانها؛ فغدت قوة دفاع البحرين حصناً إذا ادلهم الخطب، ودرعاً إذا دنا الخطر، وسيفاً إذا وجب الحزم.

وليس القول إن قوة دفاع البحرين «مصنع رجال» ثناءً يُقال، بل حقيقة تشهد لها مسارات رجال الدولة؛ فمنها خرج «راشد البحرين» معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية، عرف الميدان قبل الديوان، وتدرّج حتى رئاسة هيئة الأركان، ثم حمل إلى وزارة الداخلية انضباط المؤسسة وحزمها وحكمتها.

ومنها خرج سعادة الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني وزير الخارجية؛ بدأ ضابطاً، وعمل في التخطيط والعمليات، ثم انتقل إلى ميادين الأمن والعمل الخليجي والدبلوماسية. وهؤلاء أمثلة لا حصر؛ فمصنع الرجال يصوغ معدناً إذا صلح حمل كل أمانة، وإذا تبدّل الموقع بقي الأصل، وإذا اتسع الميدان بقي الوطن هو الغاية.

وأقول ذلك لا من مقام المتأمل من بعيد، بل ممن نال شرف أن يعيش طرفاً من هذه المدرسة. فقد نلت، قبل زيارتي لمعسكر «قدها جونيور»، شرف الانضمام إلى القوة الاحتياطية لقوة دفاع البحرين والانخراط في إحدى دوراتها التدريبية.

دخلتها وأنا أعرف قوة دفاع البحرين مؤسسةً أعتز بها، وخرجت منها وأنا أفهم شيئاً من سر رجالها؛ كيف يتحول الوقت إلى أمانة، والانضباط إلى طبع، والعمل الجماعي إلى مسؤولية، والواجب إلى عهد لا يقبل التراخي ولا التواني. كانت أسابيع قليلة في حساب الزمن، لكنها طويلة في حساب الأثر.

ولهذا، حين دخلت «قدها جونيور»، لم أدخله بعين الزائر وحده؛ رأيت في وجوه الناشئة بذوراً تُغرس، وفي خطواتهم طباعاً تُهذّب، وفي تحدياتهم نفوساً تُمرَّن قبل الأجساد.

ورأيت في المتحف العسكري المصاحب للمعسكر، وفي تعريفهم بتاريخ القوة وملحمة الصمود الوطني، ما يربط الحاضر بالماضي ويوقظ الامتنان في النفوس؛ فمن عرف من حمى وطنه عرف لمن يمتن، ومن عرف الفضل حفظه، ومن حفظه صان العهد.

وهنا تتجلّى عبقرية القوة الناعمة؛ فهي ليست فيلماً أو أغنيةً أو صورةً فحسب، بل أن تجعل ابن الوطن يحب قيم وطنه من غير أن تأمره بالحب، وأن يعيش هويته قبل أن تحدّثه عنها.

ومن هذا الباب نفهم ما صنعه سمو الفريق الركن الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة عبر سنواتٍ من العمل المتصل؛ فمن سباقات الرجل الحديدي بما حملته من ثقافة التحمّل والجلَد ومغالبة النفس، إلى المبادرات المرتبطة بالموروث الشعبي والبحري، ظل المعنى واحداً: أن يُربّى الشباب على الصبر، وأن تُشحذ فيهم الإرادة، وأن يُرد الحاضر إلى جذره، والجيل إلى تاريخه.

فلم تكن الرياضة سباقاً إلى منصة فحسب، ولا الموروث استدعاءً لصورة قديمة، بل كلاهما سبيلٌ إلى بناء الشخصية وربط الناشئ بأرضه وتاريخه.

وفي مسارٍ موازٍ، مضى سمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة في ترسيخ ثقافة القوة والتحدي، وكان من أبرز صورها بطولة «أقوى رجل بحريني»؛ فلم تكن استعراضاً للعضلات، بل ميداناً يُعلى فيه شأن العزيمة، ويُحتفى فيه بالجلَد، وتُقدَّم فيه القوة مقرونةً بالانضباط والمثابرة؛ حتى صار للتحدي معنى يتجاوز غلبة المنافس إلى غلبة النفس وقهر الفتور واحتمال المشقة.

ثم جاء «قدها جونيور» ليجمع هذه الروافد في مجرى واحد؛ برؤية سمو الشيخ ناصر بن حمد، ومتابعة سمو الشيخ خالد بن حمد، فاجتمع فيه من الجندية الانضباط، ومن الرياضة التحدي، ومن الموروث الهوية، ومن التربية بناء الشخصية؛ فلا يسمع الناشئ عن القوة فحسب بل يمارسها، ولا يقرأ عن الصبر بل يختبره، ولا يُلقّن حب الوطن تلقيناً بل يدخل إليه من أبواب الفخر والقدوة والتجربة.

وفي المسار نفسه يبرز سمو الشيخ عيسى بن سلمان بن حمد آل خليفة وزير ديوان سمو رئيس الوزراء؛ جمع بين التفوق الأكاديمي في العلوم السياسية والاقتصادية، والتفوق العسكري في الكلية البحرية الملكية البريطانية، ثم الخدمة ضابطاً بحرياً في قوة دفاع البحرين، قبل أن يحمل مسؤولية قيادة نادي راشد للفروسية وسباق الخيل.

ومن هذا التكوين الذي جمع العلم بالانضباط، والمعرفة بالميدان، مضى سموه في تطوير النادي لا بوصفه مضماراً للسباق فحسب، بل صرحاً من صروح الهوية وميداناً من ميادين الموروث الوطني؛ فامتد التطوير من المنشأة إلى التجربة، ومن السباق إلى الجمهور، ومن أهل الاختصاص إلى المجتمع.

وبعد أن كان الحضور يغلب عليه الملاك وهواة الخيل والمتابعون لها، اتسعت الدائرة لتستقبل العائلات والجماهير والناشئة، حتى غدا النادي في مواسمه موعداً أسبوعياً للجمهور، ومقصداً يجمع الرياضة بالترفيه، والمنافسة بالأصالة، والمشهد الحديث بإرث الفروسية العريق.

وهكذا يغدو تطوير نادي راشد أكثر من تطوير مرفق؛ إنه توسيع لدائرة الموروث، وتجديد لصلته بالناس، وتحويل للفروسية من رياضة يعرفها الخاصة إلى ثقافة يعيشها المجتمع؛ فتغدو الخيل موروثاً يُعاش لا صورةً تُعرض، وأصالةً تُورث لا ذكرى تُستعاد، وهويةً تُحب لا درسًا يُلقّن.

ومن تجربتي أقول: ليت شيئاً من مدرسة قوة دفاع البحرين، بما تقوم عليه من انضباطٍ في السلوك، وصرامةٍ في أداء الواجب، واحترامٍ للوقت، وعملٍ بروح الفريق، وثباتٍ عند الشدائد، يمتد إلى كل من يتولى مسؤوليةً وطنية، في مؤسسة عامة أو خاصة؛ لا ليغدو المدني عسكرياً، بل ليأخذ من روح الجندية ما يعينه على حمل الأمانة: فيعلم أن الوقت عهد، وأن الموقع ثغر، وأن القيادة مسؤولية، وأن المهمة إذا أُسندت وجب إنجازها.

وليت «قدها جونيور» لا يبقى موسماً يُقام ثم يُطوى، بل مشروعاً يمتد على مدار العام، تتجدد دوراته وتتسع ميادينه؛ فلا يكون ومضةً في صيف، بل غرساً دائماً في جيل، ومدرسةً وطنيةً يُبنى عليها لا ذكرى تُستعاد.

لقد أشرق «الضوء الأول» منذ عقود، ولكن الضوء الحق لا يبقى حيث وُلد؛ يمتد. امتد في رجال حملوا السلاح فحموا الوطن، وفي رجال حملوا المسؤولية فصانوا الدولة، وها هو يمتد اليوم إلى ناشئة «قدها جونيور» ليحملوا الوطن في قلوبهم.

وبين الضوءين معنى واحد: أن البحرين لا تحمي حاضرها بالسلاح وحده، ولا تصون مستقبلها بالشعار وحده؛ بل برجالٍ تصنعهم المواقف، وأجيالٍ تصوغها القيم، ووطنٍ إذا أحسن صناعة رجاله ضمن لحاضره من يحميه، ولمستقبله من يبنيه.