زهراء حبيب / تصوير سهيل الوزير

كشف مدير عام الآثار بهيئة البحرين للثقافة والآثار د. سلمان المحاري لـ«الوطن» عن بدء إنشاء قاعدة بيانات وخريطة رقمية شاملة للمواقع الأثرية في المملكة باستخدام نظام المعلومات الجغرافية، بالتزامن مع مساعٍ لتوقيع اتفاقيات تعاون مع جامعات ومراكز بحثية ومتاحف في الصين وبولندا وأبوظبي، لتنفيذ دراسات ومسوحات وتنقيبات أثرية جديدة في البحرين.

وأوضح، في حوار صحافي شامل مع «الوطن»، أن أربع بعثات دولية من جامعة إكستر البريطانية، ومتحف اللوفر الفرنسي، والمعهد الوطني لدراسة الممتلكات الثقافية بطوكيو، ومعهد كاشيهارا للآثار باليابان، تعمل بالتعاون مع الفرق البحرينية على استكشاف مواقع وحقب تاريخية مختلفة، فيما تتواصل أعمال التنقيب المحلية في مواقع مختلفة منها موقعي الحلة الأثري وباربار، حيث كُشف عن بقايا تعود إلى الفترات الإسلامية ودلمون وتايلوس.

وأشار المحاري إلى أن البعثة اليابانية التابعة لمعهد كاشيهارا تنفذ تنقيبات في مقبرة تلية من فترة تايلوس في مقابة، بهدف دراسة طقوس الدفن والعلاقات التجارية بين حضارة تايلوس وتجار تدْمُر في سوريا، بينما تواصل بعثة معهد طوكيو أعمالها في تلال مدافن بوري التي تضم مدافن تعود إلى فترة دلمون المبكرة، بينها تلال محاطة بجدران دائرية قد تمثل مرحلة مبكرة من تطور تلال دلمون الملكية.

وأضاف أن البعثة الفرنسية تنقّب في أحد تلال مدافن تايلوس بأبو صيبع، الذي يضم مئات القبور العائدة إلى الفترة الممتدة من القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الثاني بعد الميلاد، بهدف دراسة طقوس الدفن وممارساته، لافتاً إلى أن من أبرز المكتشفات للفريق هي العثور داخل قبر طفل على حجر نرد مصنوع من العاج أو العظم، يعود إلى الفترة بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول بعد الميلاد. كما انتهت البعثة البريطانية مؤخراً من تنفيذ أول تنقيبات معمقة في قنوات الري بمدينة حمد، لاستكشاف تاريخها وطريقة بنائها.

وكشف المحاري عن أن التنقيبات الحديثة أسفرت عن اكتشاف أول مزرعة دلمونية قديمة في منطقة مقابة، تضم أحواضًا متصلة بمجارٍ مائية تكشف نظاماً زراعياً يشبه التقسيم المستخدم حالياً في المزارع البحرينية. كما شملت المكتشفات أول مبخرتين فخاريتين برأسين آدميين من فترة تايلوس عُثر عليهما في المنطقة القريبة من موقع قلعة البحرين، تعكسان امتداد تقاليد فنية انتشرت من اليونان وشرق البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج العربي، إلى جانب قطعة مميزة من «الفاينس» تعود إلى فترة دلمون المتوسطة، عُثر عليها أيضا قرب موقع قلعة البحرين.

وأكد أن اكتشاف المبنى المسيحي في موقع سماهيج الأثري يمثل الأول من نوعه الذي يؤكد الوجود المسيحي أثريًا في البحرين، إذ أظهرت نتائج التأريخ بالكربون-14 أن المبنى يعود إلى الفترة الممتدة من منتصف القرن الرابع حتى منتصف القرن الثامن الميلادي، بما يضيف معلومات جديدة إلى تاريخ المسيحية والتنوع الديني والثقافي في منطقة الخليج العربي.

وعن مشروعات تطوير المواقع الأثرية، أوضح أن موقع سماهيج يأتي في مقدمة المواقع التي يُنتظر الانتهاء من تطويرها وترميمها وإعادة تأهيلها، إلى جانب إعداد تصاميم لتطوير موقع سار الأثري وقنوات الري في مدينة حمد وتجهيزها لاستقبال الزوار والسياح. وبيّن أن الخطط تتضمن إنشاء ممرات للمشاة داخل حدود المواقع، لتعزيز استفادة المجتمع منها وإبراز قيمتها التاريخية والحضارية والثقافية.

وفيما يتعلق بمشروع البحث عن الآثار المغمورة بالمياه، قال المحاري إن المشروع، المخطط له منذ عدة سنوات، دخل خلال عام 2026 مرحلة جديدة بالتعاون مع جهاز المساحة والتسجيل العقاري، وفريق مختص بالآثار المغمورة عبر استخدام أدوات وتقنيات حديثة لمسح بعض من المياه الإقليمية للبحرين، بحثاً عن بقايا أثرية وسفن غارقة قد تعود إلى فترة دلمون أو فترات لاحقة، وصولاً إلى حقبة الغوص والبحث عن اللؤلؤ، تمهيداً لتوثيقها والكشف عنها مستقبلاً. وأشار إلى أن المسوحات البسيطة التي أُجريت سابقًا في المياه الضحلة كشفت عن بقايا أثرية، من دون العثور حتى الآن على مواقع أو منشآت مغمورة متكاملة.

وأوضح أن التصوير الجوي، ورادار اختراق الأرض، والمسوحات الجيوفيزيائية، تتيح التنبؤ بالمحتوى الأثري المدفون من دون الحاجة إلى الحفر المباشر، إلا أن التنقيب اليدوي لا يزال أساسياً للكشف عن اللقى الأثرية بعناية. كما تُستخدم تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد، والمسح بالليزر، وطائرات «الدرون» في توثيق المواقع والقطع رقمياً، وقد شمل المشروع عدداً من تلال المدافن وموقع سماهيج وأجزاء من قلعة البحرين ومعابد باربار.

ولفت إلى أن الهيئة ترصد المواقع الأثرية بصورة دورية، كل عام تقريباً أو بعد مواسم الأمطار، لمتابعة التغيرات ومظاهر التلف وانجراف التربة وتساقط أجزاء من الجدران، فيما تستند في حماية المواقع من التوسع العمراني إلى قانون حماية الآثار رقم 11 لعام 1995، إلى جانب التنسيق المبكر مع الجهات الحكومية والمطورين، وإجراء المسوحات والتنقيبات الإنقاذية قبل تنفيذ المشروعات في المناطق ذات الحساسية الأثرية.

وأكد المحاري أن دراسة العصور الجيولوجية والحجرية والتنقيب عن الآثار المغمورة بالمياه تتصدر أولويات المرحلة الحالية والمقبلة، إلى جانب مواصلة البحث في الفترات الدلمونية وتايلوس والمسيحية والعصور الإسلامية، معرباً عن أمل علماء الآثار في العثور على مكتبة تضم أرشيفاً من الرُّقُم الطينية والكتابات المسمارية، بما يوفر معلومات أوسع عن الحياة اليومية والتجارة الدولية خلال فترة دلمون.

وإلى الحوار:

ما أبرز الملفات والمشروعات التي تعمل عليها إدارة الآثار حالياً؟

بشكل عام، تعمل إدارة الآثار بناء على توجيهات سعادة رئيس الهيئة الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة، على عدد من الملفات الاستراتيجية التي تهدف إلى حماية التراث الأثري لمملكة البحرين وتعزيز دوره العلمي والثقافي. ومن أبرز هذه الملفات تنفيذ أعمال التنقيب والمسح الأثري في عدد من المواقع، واستكمال مشاريع الترميم والصيانة للمواقع الأثرية، وتطويرها بما يضمن الحفاظ عليها وإتاحتها للزوار وفق أفضل المعايير.

كما نولي اهتماماً كبيراً بالتوثيق الرقمي للمواقع واللقى الأثرية باستخدام أحدث التقنيات، إلى جانب إعداد الدراسات والأبحاث العلمية ونشر نتائجها بالتعاون مع الجامعات والبعثات الأثرية الدولية. ونعمل أيضاً على تعزيز برامج التوعية المجتمعية والتعليمية التي تستهدف مختلف فئات المجتمع، انطلاقاً من إيماننا بأن حماية التراث مسؤولية مشتركة. ومن أبرزها: مبادرة الآثاري الصغير، وكاثون الآثار، ومبادرة الشراكة المجتمعية.

ومن الملفات المهمة كذلك مواصلة العمل على صون مواقع التراث العالمي المدرجة على قائمة اليونسكو، وتعزيز التعاون مع الشركاء المحليين والدوليين لضمان استدامة هذا الإرث الحضاري للأجيال القادمة.

ما هي أهم الاكتشافات أو النتائج الأثرية التي سجلتها البحرين خلال الفترة الأخيرة؟

شهدت البحرين خلال الفترة الأخيرة عدداً من النتائج الأثرية العلمية المهمة التي أسهمت في تعميق فهمنا لتاريخ المملكة الممتد لآلاف السنين. بعض هذه الاكتشافات كان على مستوى كشف مواقع أثرية مثل الحدائق الدلمونية وموقع سماهيج الأثري، والبعض الآخر على مستوى القطع الأثرية كالعثور على النرد في موقع أبو صيبع، والمباخر الفخارية برؤوس آدمية.

لنتحدث بالتفصيل عن كل اكتشاف. بالنسبة إلى موقع سماهيج؛ فقد عُثر عليه أثناء التنقيب عن بقايا مسجد أثري في وسط مقبرة سماهيج بالتعاون مع الفريق البريطاني، حيث عُثر أسفله على بقايا جدران لمبنى آخر، تبيّن بحسب الاكتشافات الأثرية بأنه مبنى يعود إلى الفترة المسيحية. وبمزيد من التدقيق في اللقى الأثرية المكتشفة في هذا المكان، سواء أكانت علامات الصليب الشرقي المنحوتة في بعض القطع الجصية أو الزخارف وغيرها من أواني الاستخدام اليومي، بالإضافة إلى استخدام التأريخ بالكربون المشع-14، تم تأكيد الفترة التي يعود إليها هذا المبنى، وهي الفترة الممتدة من منتصف القرن الرابع الميلادي ولغاية منتصف القرن الثامن الميلادي. وهذا الاكتشاف يعتبر هو الأول من نوعه الذي يؤكد الوجود المسيحي في مملكة البحرين من الناحية الأثرية، وساهم في توسيع معرفتنا بتاريخ المسيحية في منطقة الخليج العربي.

أما الاكتشاف الثاني والفريد أيضاً، فهو اكتشاف الحديقة أو المزرعة الدلمونية التي عُثر عليها بواسطة الفريق البحريني في إحدى المزارع في منطقة مقابة بالقرب من الشاخورة، حيث عُثر أسفل تل من فترة تايلوس على بقايا أحواض متصلة بمجاري مائية تؤكد لدينا أن الغرض منها هو الزراعة، حيث إن هذه الأحواض تتشابه مع التقسيم الحالي الذي يُستخدم في المزارع البحرينية، ولكن حجمها في تلك الفترة كان أصغر. ومن خلال دراسة اللقى الأثرية المكتشفة في هذا الموقع، تأكد لدينا أن هذه المزرعة تعود إلى فترة دلمون. وهذا يعتبر أول اكتشاف لحديقة أو مزرعة تعود إلى العصور القديمة.

أما لو تحدثنا بالنسبة إلى القطع الأثرية، فكان من الاكتشافات المميزة العثور على نرد في إحدى مقابر فترة تايلوس في أبو صيبع بواسطة الفريق الفرنسي. فقد عُثر على حجر النرد ضمن قبر لشخص بالغ عمره يتراوح بين 15-19 عاماً من فترة تايلوس، وبالتحديد بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول بعد الميلاد. هذا النرد المصنوع من العاج أو العظم المنحوت بدقة يشير عادة إلى أن الطفل ينتمي إلى عائلة ذات مكانة اجتماعية أو اقتصادية مرموقة في المجتمع التجاري لتايلوس. في طقوس الدفن خلال فترة تايلوس، كان من الشائع إرفاق متعلقات المتوفى الشخصية معه في القبر. لا نعلم بالتحديد فيما كان يستخدم حجر النرد؛ لربما كأداة لعب أو مقامرة أو طقوس التنبؤ بالطالع.

وعند وفاة الأطفال، جرت العادة على وضع ألعابهم الخاصة (مثل الدمى الفخارية، والمصنوعات العظمية) لربما تعويضاً رمزياً عن طفولتهم التي قُطعت مبكراً، ولمرافقتهم وتسليتهم في العالم الآخر.

أضف إلى ذلك ما عُثر عليه من قطعتين أثريتين مهمتين من فترة تايلوس، عُثر عليهما في إحدى المناطق القريبة من موقع قلعة البحرين. هاتان القطعتان عبارة عن مبخرتين فخاريتين على شكل رأسين آدميين لفتاة بملامح شرقية، يعلو رأسها تاج أسطواني كان يُستخدم كمبخرة في الحياة اليومية وفي الطقوس الجنائزية. هذا الاكتشاف أيضاً يعد الأول من نوعه الذي يُعثر عليه في البحرين. تتميّز هاتان القطعتان بانتمائهما إلى تقليدٍ فني كان شائع الاستخدام عند اليونانيين والرومان قديماً، وهو التقليد المعروف عموماً باسم (رؤوس النساء اللاتي يرتدين الكالاثوس)، وهي كلمة تعني (سلة) باللغة اليونانية، وهي الاسم الدقيق المُستخدم للإشارة إلى هذا الوعاء الخاص المستقر فوق أعلى هذه الرؤوس. عُثر على قطع أثرية مماثلة في جزيرة فيلكا في الكويت.

وينتشر هذا التقليد الفني من شرق البحر الأبيض المتوسط وصولًا إلى منطقتنا؛ حيث عُثر على مكتشفات مماثلة في العديد من المواقع في اليونان، بالإضافة إلى قبرص، ومصر في العصرين اليوناني-الروماني والبطلمي، والعراق، والآن في منطقة الخليج العربي (في جزيرة فيلكا بالكويت والبحرين).

كما عُثر مؤخراً على قطع أثرية مميزة من الفاينس، عُثر عليها في محيط موقع قلعة البحرين ضمن أثاث جنائزي مرفق بأحد الهياكل العظمية. هذه القطعة تأخذ شكل وجه أنثوي يعلوه غطاء رأس وطوق مصنوع من القار، ومن المحتمل أنها كانت جزءاً من تمثال مصنوع من مواد عضوية مثل الخشب، لكنه لم يبقَ، وغالباً يبدو أنها جزء من قلادة. ولقد سبق أن عُثر على قطعة مماثلة لها في موقع المقشع. ويعود تاريخ هذه القطعة إلى فترة دلمون المتوسطة.

أبرز المواقع التي تشهد حالياً أعمال تنقيب ومسح ودراسة؟ ما آخر مستجدات عمل البعثات الأثرية المحلية والدولية في البحرين؟ ما أبرز المواقع التي تركز عليها هذه البعثات حالياً؟

لدينا تعاون وثيق مع عدد من فرق التنقيب الأجنبية التي تنفذ أعمال تنقيب ومسوحات ودراسات أثرية في مواقع مختلفة من البحرين، مثل فريق التنقيب البريطاني من جامعة إكستر، وفريق التنقيب الفرنسي من متحف اللوفر، وفريق التنقيب الياباني من المعهد الوطني لدراسة الممتلكات الثقافية في طوكيو، والفريق الياباني من معهد كاشيهارا للآثار.

الفريق البريطاني: نفّذ خلال السنوات الماضية مسوحات وتنقيبات أثرية تركزت بشكل أساسي في جزيرة المحرق، سواء كان ذلك في سماهيج أو في مدينة المحرق. وانتهى مؤخراً من إجراء تنقيبات معمقة لأول مرة تتم في قنوات الري الموجودة في منطقة مدينة حمد، في محاولة لاستكشاف تاريخها وطريقة بنائها.

الفريق الفرنسي: ينفذ أعمال تنقيب أثرية في أحد تلال مدافن فترة تايلوس في منطقة أبو صيبع، والذي يضم المئات من القبور، في محاولة لدراسة طقوس وممارسات الدفن التي كانت منتشرة في الفترة الممتدة من القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الثاني بعد الميلاد.

الفريق الياباني من المعهد الوطني لدراسة الممتلكات الثقافية في طوكيو: نفّذ خلال الأعوام الماضية تنقيبات أثرية في تلال المدافن من النوع المبكر الموجودة في منطقة وادي السيل، فيما يستمر العمل الآن في موقع تلال مدافن بوري، والذي يضم مدافن تعود إلى فترة دلمون المبكرة. وما يتم تنقيبه الآن هو عبارة عن تلال محاطة بجدران خارجية دائرية قد تمثل مرحلة مبكرة في تطور التلال الملكية لدلمون.

الفريق الياباني من معهد كاشيهارا للآثار: ينفذ أعمال تنقيب أثرية في مقبرة تلية من فترة تايلوس في منطقة مقابة. ومن أهداف أعمال التنقيب في هذا الموقع دراسة طقوس وعادات الدفن في تايلوس وعلاقة تجار تدمر في سوريا بحضارة تايلوس في البحرين، من خلال مقارنة المكتشفات الأثرية بين هاتين الحضارتين، واللتين يُحتمل أن تكون قد ربطت بينهما علاقات تجارية.

ولا يخفى عليكم أيضاً أن الفريق البحريني يقوم بأعمال تنقيب أثرية مختلفة في مناطق مثل موقع الحلة الأثري، وكذلك في منطقة باربار خلال العام الماضي، كشفت عن بقايا آثار يعود بعضها إلى الفترة الإسلامية وبعضها إلى فترتي دلمون وتايلوس.

ما أولويات الإدارة في المرحلة المقبلة؟

أولويات الإدارة فيما يتعلق بالتنقيبات الأثرية خلال هذه المرحلة والمرحلة المقبلة هي إجراء مسوحات ودراسات بالنسبة للعصور الجيولوجية والعصور الحجرية، بالإضافة إلى التنقيب عن الآثار المغمورة تحت المياه.

بالإضافة إلى التركيز على ترميم المواقع الأثرية وحفظها وصونها وتطويرها بما يتلاءم مع مكانتها الحضارية والثقافية والسياحية.

كما أن من أولوياتنا هي نشر المعرفة بحضارة البحرين محليا وعالميا، وهنا لابد أن اذكر بأننا خلال الخمس سنوات الماضية حققنا إنجازاً ملحوظاً بنشر 55 دراسة عن آثار وحضارة البحرين بلغات مختلفة.

ماذا أضافت نتائج التنقيبات الحديثة إلى معرفتنا بحضارة دلمون والمراحل التاريخية اللاحقة؟

أسهمت نتائج التنقيبات الأثرية الحديثة في البحرين في زيادة فهمنا لحضارة دلمون والمراحل التاريخية اللاحقة، إذ أكدت أن البحرين كانت تمتلك نظاماً إدارياً مستقلاً، وأنها تمثل المركز السياسي والاقتصادي لحضارة دلمون، وذلك من خلال دراسة النقوش والكتابات المسمارية التي عُثر عليها مؤخراً، والعثور على مدن متكاملة. كما وفرت المكتشفات الأثرية معلومات جديدة عن الحياة اليومية، والممارسات الدينية، وطقوس الدفن. ولم تقتصر هذه النتائج على فترة دلمون، بل أظهرت استمرارية الاستيطان في البحرين خلال فترة تايلوس والعصور الإسلامية، وكشفت عن تطور المجتمع المحلي وتأثره بالحضارات المجاورة مع احتفاظه بخصوصيته الثقافية. كما أسهمت الاكتشافات الحديثة، ومنها المبنى المسيحي في سماهيج، في إبراز التنوع الديني والثقافي الذي شهدته البحرين قبل وبداية الإسلام، مما عزز مكانتها بوصفها إحدى أهم المراكز الحضارية في منطقة الخليج العربي عبر مئات السنين.

هل هناك بعثات أو اتفاقيات تعاون أثرية جديدة مرتقبة خلال الفترة المقبلة؟

نعم، هناك سعي للبدء في توقيع اتفاقيات تعاون مع جامعات ومراكز بحثية ومتاحف من الصين وبولندا وأبوظبي لتنفيذ دراسات ومسوحات وتنقيبات أثرية في البحرين.

إلى أي مدى أسهمت التقنيات الحديثة في تغيير أساليب البحث والتنقيب عن الآثار في البحرين؟

عندما نتحدث عن المسوحات الأثرية، نستطيع أن نقول نعم، فقد أسهمت التقنيات الحديثة مثل التصوير الجوي، وتوظيف رادار اختراق الأرض (GPR)، والمسوحات الجيوفيزيائية، في التنبؤ بالمحتوى الأثري المدفون في الأرض دون الحاجة إلى الحفر المباشر، ولكن بالنسبة إلى التنقيب عن الآثار، فما زال يعتمد بشكل كبير على التنقيب اليدوي الذي يحتاج إلى عناية بشرية فائقة أثناء الحفر والكشف عن اللقى الأثرية.

أين وصل مشروع مسح وتوثيق الآثار المغمورة بالمياه في البحرين؟ وما آخر تحديث للنتائج؟

حقيقةً، مشروع البحث عن الآثار المغمورة بالمياه في البحرين كان قد خُطط له منذ عدة سنوات، وكنا نقوم ببعض المسوحات البسيطة في المياه الضحلة، والتي أدى بعضها إلى العثور على بقايا أثرية، وليس مواقع أو منشآت تحت الماء. هذا العام، بدأنا للتو التعاون مع جهاز المساحة والتسجيل العقاري لاستخدام ما يمتلكه من أدوات وتقنيات حديثة لدراسة الآثار الغارقة لمملكة البحرين.

ما الذي وفرته أعمال المسح والخرائط والبيانات البحرية للمختصين في تحديد المواقع المحتملة للآثار المغمورة؟

نحن ما زلنا في المرحلة الأولى، لذا لا يوجد الكثير للحديث عنه بهذا الشأن، ولكن نتوقع من مواصلة العمل تحقيق المزيد من المنجزات والنتائج.

ما المرحلة التالية للمشروع؟ وهل نتحدث عن مسح إضافي أم انتقال إلى عمليات غوص وتنقيب وتوثيق ميداني؟

نتوقع في المرحلة القادمة أن تتواصل أعمال المسح، أما بالنسبة إلى عمليات الغوص والتنقيب والتوثيق الميداني في المياه العميقة، فسيتم تحديدها لاحقًا بناءً على نتائج المسح.

مع التوسع العمراني ومشروعات البنية التحتية، كيف تضمن الهيئة حماية المواقع التي يحتمل وجود آثار فيها؟

تتم حماية المواقع الأثرية في ظل هذا التوسع العمراني ومشروعات البنية التحتية، وذلك بالاستناد أساساً إلى قانون حماية الآثار رقم 11 لعام 1995، الذي يعتبر هو الأداة القانونية الأساسية التي نستخدمها لحماية المواقع الأثرية. كما نعتمد على التنسيق المبكر مع الجهات الحكومية والمطورين، حيث تقوم الهيئة بمراجعة المخططات والمشروعات المقترحة لتحديد مدى تأثيرها على المواقع الأثرية المعروفة أو المناطق التي يُحتمل احتواؤها على بقايا أثرية، وعند الحاجة تُجرى مسوحات ميدانية وتنقيبات إنقاذية قبل بدء أعمال الإنشاء، بما يضمن توثيق أي مكتشفات أثرية وحفظها. كما تعمل الهيئة على تحديث قاعدة بيانات المواقع الأثرية وإدراجها في أنظمة التخطيط العمراني وتصاريح البلديات.

ما الإجراءات المتبعة عند اكتشاف آثار أثناء تنفيذ مشروع إنشائي؟

لو حدث أن تم اكتشاف آثار قبل تنفيذ أي مشروع إنشائي، يتم إيقاف العمل لحين استكمال إجراء التنقيبات الأثرية في كامل حدود المشروع لتقييم مدى اتساع الآثار وكذلك أهميتها، فإذا كانت الآثار موجودة ضمن جزء بسيط في العقار ولا تملك قيمة أثرية عالية، فإنه يتم تنقيب المكتشفات الأثرية وتوثيقها ونقلها إلى المتحف، أما إذا تبيّن أن هذه الآثار ذات أهمية عالية، فيتم الحفاظ عليها.

هل لدى الهيئة خريطة محدثة للمناطق ذات الأهمية والحساسية الأثرية؟

نعم، توجد لدينا خارطة أثرية باستخدام نظام المعلومات الجغرافية تضم كل المواقع الأثرية المنتشرة في مناطق البحرين المختلفة مع إحداثياتها وحدودها، بالإضافة إلى المناطق التي يُعتقد أو يُتوقع أن تضم آثاراً أو أنها ضمن نطاق المناطق التي تحتاج إلى تنقيب.

هل شهدت الفترة الأخيرة اكتشاف مواقع أثرية بصورة عرضية أثناء أعمال البناء أو الحفر؟

حدث ذلك قبل عدة سنوات عندما تم العثور على قناة ري قديمة أسفل أحد الطرقات وذلك عند تنفيذ مشروع لمد أنابيب الصرف الصحي. وبالتعاون مع الجهات المختصة نجح الفريق في الحفاظ على هذه القناة وتحويل مسار أنبوب الصرف الصحي.

كيف يتحقق التوازن بين حماية المواقع الأثرية ومتطلبات التنمية؟

يتحقق التوازن بين حماية المواقع الأثرية ومتطلبات التنمية من خلال التنمية المستدامة للآثار، بدمج الاعتبارات الأثرية في مراحل التخطيط المبكرة للمشروعات، بحيث تُجرى الدراسات والمسوح الأثرية قبل تنفيذ أي أعمال إنشائية لتحديد المواقع ذات القيمة التراثية واتخاذ الإجراءات المناسبة لحمايتها. وعند اكتشاف آثار، يتم تعديل التصاميم أو تنفيذ حفريات إنقاذية وتوثيق المكتشفات بما يضمن الحفاظ على التراث دون تعطيل مسيرة التنمية. وبهذا النهج، تُعد حماية الآثار جزءاً من عملية التنمية المستدامة، بما يحقق التوازن بين متطلبات التطوير العمراني وصون الإرث الحضاري للأجيال القادمة.

ما المواقع الأثرية التي تعمل الهيئة حالياً على تطويرها أو إعادة تأهيلها؟

قد يكون أول هذه المواقع التي سيتم الانتهاء من تطويرها وترميمها وإعادة تأهيلها هو موقع سماهيج الأثري. كما أن هناك مشاريع أخرى نعمل في الفترة الحالية على إعداد التصاميم اللازمة والفكرة العامة لكيفية تطويرها وتأهيلها وإعدادها لاستقبال الزوار، ومن بين هذه المواقع قنوات الري في مدينة حمد وموقع سار الأثري. نحن نحاول في هذه الفترة أن تتضمن خطة تطوير المواقع الأثرية استفادة مجتمعية من هذه المواقع، بالإضافة إلى العنصر الأساسي طبعاً، وهو إبراز قيمتها التاريخية والحضارية والثقافية، وجعلها أكثر جذبًا للزوار. ولكن من الأمور المهمة التي نسعى إليها كيفية تقديم هذه المواقع، بالإضافة إلى هذه القيمة، خدمةً للمجتمع؛ لذلك نحن نفكر في استغلال حدود هذه المواقع في إنشاء ممرات مشاة فيها، بحيث تخدم الزوار، وتكون أيضًا مساحة لممارسة رياضة المشي، ولدينا تجربة ناجحة في هذا الأمر، وهي ممرات الزيارة في موقع قلعة البحرين.

كيف يمكن تقديم المكتشفات الجديدة للجمهور بصورة تتجاوز العرض التقليدي، خصوصاً الآثار التي يتعذر نقلها أو الآثار الموجودة تحت المياه؟

يمكن فعل ذلك من خلال استخدام تقنيات الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) لبناء نماذج تفاعلية ثلاثية الأبعاد تمكّن الزوار في مراكز الزوار من خوض جولات افتراضية استكشافية للمواقع الأثرية وللقطع التي لا يمكن نقلها للمتاحف سواء لكبر حجمها أو لضرورة بقائها في الموقع.

هل يتم توظيف التصوير ثلاثي الأبعاد والمسح الجغرافي والتقنيات الرقمية في توثيق المواقع؟ وإلى أين وصل مشروع التوثيق والرقمنة للمواقع والقطع الأثرية؟

نعم، منذ سنوات عدة بدأنا استخدام التصوير ثلاثي الأبعاد والتقنيات الرقمية، سواء باستخدام التصوير الفوتوجراميتري أو التصوير باستخدام بعض تطبيقات الهاتف التي تساعد في التصوير ثلاثي الأبعاد للمواقع الأثرية والقطع المتحفية، بالإضافة إلى استخدام أجهزة المسح بالليزر ثلاثي الأبعاد. كما أننا نستخدم طائرات الدرون في تصوير المواقع الأثرية، وتحويل هذه الصور للمواقع إلى مواقع ثلاثية الأبعاد. وقد وصلنا إلى مراحل متقدمة في هذا المشروع، حيث وثقنا عدداً من المواقع الأثرية، مثل بعض تلال المدافن، وموقع سماهيج الأثري، وأجزاء من موقع قلعة البحرين، ومعابد باربار.

هل هناك توجه لإنشاء قاعدة بيانات أو خريطة رقمية شاملة للمواقع الأثرية في المملكة؟

نعم، وقد بدأنا بالفعل ذلك، وذلك باستخدام نظام المعلومات الجغرافية.

كيف تساعد التقنيات الحديثة في رصد المواقع المعرضة للتغير أو الاندثار؟

أصبحت التقنيات الحديثة، وبالخصوص التوثيق ثلاثي الأبعاد للمواقع الأثرية، جزءاً مهماً من عملية مراقبة المواقع الأثرية، حيث إننا نقوم بتوثيق هذه المواقع بشكل مستمر ودوري، تقريباً كل عام أو بعد كل موسم أمطار، بحيث نستطيع مراقبة التغيرات التي تطرأ على الموقع من حيث المشكلات التي تعرض لها، ومظاهر التلف نتيجة تساقط أحجار أو أجزاء من الجدران، أو انجراف التربة في التلال الأثرية أو مواقع التنقيب.

بعد عقود من التنقيب، هل ما زالت أرض البحرين تحمل مساحات كبيرة لم تُستكشف أثرياً؟

بالرغم من المساحة الجغرافية الصغيرة للبحرين، إلا أن هناك العديد من المواقع التي أعتقد أننا لم نكتشفها بعد، وكلما أجرينا مسوحات وتنقيبات أثرية في المزيد من المواقع، وبالذات المدن والقرى، نتوقع أن نحصل على المزيد.

ما الحقبة التاريخية التي لا تزال المعلومات الأثرية عنها محدودة وتحتاج إلى مزيد من البحث؟

كل الفترات التاريخية التي مرت على البحرين ما زالت تحتاج إلى المزيد من البحث، ولكن الفترة المسيحية أعتقد أنها تحتاج إلى المزيد من التنقيب والدراسة، وكذلك فترة تايلوس من حيث أنماط الاستيطان البشري، حيث إن غالبية ما تم العثور عليه من هذه الفترة هو عبارة عن مدافن، بالإضافة إلى الفترة الإسلامية التي تحتاج إلى المزيد من التركيز، بالرغم من أننا بدأنا خلال الـ20 سنة الماضية إعطاء هذه الفترة المزيد من الأهمية. أضف إلى ذلك أن فترة العصور الحجرية تحتاج أيضاً إلى إجراء المزيد من المسوحات والدراسات.

ما الاكتشاف الذي يأمل علماء الآثار الوصول إليه ويمكن أن يضيف فصلاً جديداً إلى تاريخ البحرين؟

نأمل في العثور على مكتبة تضم أرشيفاً من الرُّقُم الطينية التي تضم كتابات مسمارية تزودنا بالمزيد من المعلومات عن الحياة اليومية والتجارة الدولية في الفترات القديمة، وهنا نتحدث عن فترة دلمون، وكذلك الحال بالنسبة إلى فترة تايلوس، التي نأمل أن نعثر فيها على العديد من الكتابات التي تساعدنا على فهم تلك الفترة بشكل أوسع وأدق.